الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧وتغير حملة الرسالة بعد ذلك فذهب اولئك الذين اوصلوا الرسالة وليس لهم هم إلا ان ينتشر دين الله وتعلو كلمته، وجاء من بعدهم قوم يبنون الملك عضوض، ويؤطدون لدول متحكمة في مال الله وعباد الله، فاعتمت الصورة المشرقة التي جاء بها الاسلام، لما انحرف الحكام عن إقامة دين الله. فطالب الناس باتباع امر الله والمحافظة على ما جاء في كتاب الله، واتباع ما وردت به الحنيفة السمحة، ولكن الأيدي الحاكمة، التي كانت تمسك مقاليد الأمور كانت لا تستجيب لهذه الدعوة، ولا يرضيها الرجوع إلى حكم الاسلام العادل النظيف. لأنه طريق لا يصلون منه إلى غايلتهم من الترف والرفاهية وبلوغ الشهوات، والتحكم في مقدارت الأمة.
وتولد عن هذا الإنحراف في انظمة الحكم تطور في الكفاح ضد الانحراف.
لقد سبق أن أشرت إلى ان الأباضية كانوا منتشرين في اغلب البلاد التونسية، ولقد كانت لهم مواقف في الكفاح كما كانت لغيرهم من الطوائف والمذاهب مواقف.
ويجدر بي أن أقول هنا أن الكفاح ضد الإنحراف قد اتخذ طرقا عدة، ومظاهر مختلفة، منها مواقف ايجابية صارمة، ومنها مواقف سلبية لينة، وبينها مواقف كثيرة تختلف قوة وضعفا، ولينا وعنفا، وشدة وهوادة. والكفاح ضد الظلم او الكفاح السياسي سوف نتحدث عنه في فصل آت شاء الله. اما هذا الفصل فهو معقود للكفاح السلبي، الذي يقصد منه إقامة دين الله والمحافظة على احكامه بالنسبة للفرد والمجتمع دون اللجوء إلى العنف أو الثورة.