الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

أما هؤلاء الأباضية الذين تحللوا من نظام العزابة في ليبيا وتونس فقد جرفتهم الحياة، كما جرفت غيرهم، في تيار الحضارة الفاسدة، وأصبحت إقامة دين الله عندهم كما عند غيرهم شكلية ظاهرية، وأثرت على شبابهم المتعلم كثير من الأفكار والنزعات المستوردة التي يقصد منها اما محاربة الاسلام في أسمى مبادئه، واما تبرير الخطاء التي وقعت فها بلاد الغرب، ولم تستطيع التخلص منها. على انه لا تزال في الشباب والشيوخ بقية تحمل روح التحفظ من الاثم، الاثم الفردى، او الجماعي، ذلك التحفظ الذي كان معروفا عن اسلافهم وان املنا في الله قوى في ان يراجع المسلمون انفسهم وأن يعودوا بها إلى دينهم وان يبنو احاضرهم على القواعد الراسخة من ماضيهم.

لقد انقرض الابتضية من البلاد التونسية ما عدا جربة فيما اعلم فلم يبق منهم احد في بلاد الجريد التي كانت عامرة بهم، ولم يبق منهم أحد في جبال دمر التي كانت معقلا من معاقلهم، ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى اتقراضهم هو تحللهم من نظام العزابة الذي لا يستطيع فيه الفرد ان يشذ عن الجماعة المسلمة بارتكاب المعصية، فيحكم عليه بالبراءة فلما تحلل اولئك الناس من نظام العزابة ادى بهم ذلك إلى عدم الإهتمام بالتعليم وادى بالأفراد إلى عدم التحرج من ارتكاب المعصية الهينة في نظرهم وغلب عليهم الجهل، ثم توالى عليهم العدوان من المجموع التي تحترف من الغارة والنهب والسلب وتتخذ الخلاف المذهبي أو الجنسي مبررا لأعمالها فكانت هذه العوامل مجتمعة سببا في أن يهاجر بعض السكان إلى جهات أخرى حيث يأمنون او ان يعتنقوا مذاهب الطوائف الغالبة.

٢٦٠ / ٣٥٥