الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥ان الكفاح في الباب لا يخرج عن النهي عن المنكر والنهي المنكر يكون قاعدة اصيلة من قواعد المذهب الأباضي كما سبقت الاشارة إلى ذلك في الحلقات الأولى من هذا الكتاب، فما يجوز لمسلم يرى منكرا ثم يسكت عنه، وقد حرص الأباضية على تطبيق هذه القاعدة والقيام بها قياما دقيقا لا سيما عندما توجد لديهم مجالس العزابة. وتجاوز كفاحها في الحرم إلى كفاحها حتى في المكروه، وكانوا يعطون لأنفسهم حق الاشراف على الناس حتى يتعرفوا الخطأ والصواب فيه على اليقين فيأمرونهم بما يجب او يحسن، وينهونهم عما يحرم أو يكره.
ورغم ان الجنوب التونسي امثال فحص القيروان والحامة وبلاد الجريد وجزيرة جربة وجبال دمر ومطماطة وغراسن وما بين ذلك - كان يعج بالعلماء الاعلام، فإن الواحد من أولئك العلماء كان يتكبد مشاق السفر وينتقل بين تلك البلاد المتباعدة ويرتحل إلى الأحياء الضاربة في الصحراء، فيقيم مع كل حى أياما ليعرف سيرتهم عن كثب، ويرى مقدار محافظتهم على دين الله ومدى فهمهم له وللعمل به، وما ينتقل ذلك الشيخ إلى حى آخر حتى يعقبه شيخ آخر من بلد آخر، يقوم بنفس المهمة، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، أو بالعبارة التي اخترناها يقوم بمحاربة الرذيلة التي لا تجد في مثل هذا المجتمع مكانا وقد حفظت لنا كتب التاريخ من هذا الكفاح المجيد احاديث تملأ المجلدات.