الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤أنني حين أسوق هذا الكلام وانا اتحدث عن جربة او عن الأباضية في تونس، لا أقصد به جربة فقط ولا أهل جبل نفوسة فقط ولا المجتمع الأباضي فحسب، وإنما أقصد به الأمة المسلمة جمعاء بما فيها من طوائف ومذاهب. فإن هذه الأمة الكريمة، ما أصيبت بما أصيبت به، إلا حين تخلت عن مقوماتها كامة تحمل رسالة إلى البشرية. وتسابق أفرادها إلى المناصب في الدولة، وإلى الوظائف في الحكومة، يشغلونها ليبتزوا اكثر ما يمكن من مال، بأقل ما يمكن من جهد، وليشبعوا في أنفسهم شهوة السيطرة والتحكم والاستبداد ثم تخالفوا على ذلك وتطاحنوا عليه، وتعادوا من احله، ثم استمرأوا البطالة وساغ في حلوقهم المال الحرام في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والكسب، ولم يقف بهم الشيطان في هذا الحد، فتنازلوا عن خصائصهم كامة قائدة هادية. وانحطوا إلى ان يكونوا امة هزيلة ضعيفة تقلد الغير وتقتبس منه وتتبعه في الخطاء والرذائل. واعرضوا عن ذلك المنهج الذي كون من شتى الأمم والأجناس خير أمة اخرجت للناس واعظم دولة سارت بالبشرية في الطريق القويم وأصبحوا يستوردون مناهج للتجربة من أمم ضالة عمياء.
أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم … قد ضل من كانت العميان تهدية
متناسين المنهج الآلهى الذي سار به أسلافهم وقادوا به البشرية إلى الخير والحب والسلام.
ومن المؤسف ان العالم الاسلامي العظيم إنقسم إلى أمم صغيرة يجثم على صدر كل امة منها اراجوز يطلق على نفسه اعظم الاسماء وأضخم الألقاب ومن حوله طائفة من الاتباع وهم جميعا لا يزيدون عن ان يكونوا اراجيز خشبية وضعت للعب، او أبواقا تنتفخ للدعاية، او قططا مقلمة الأظفار تنتفخ وتنتفش ولقد صدق الشاعر القديم حين يقول:
مما يزهدنى في أرض اندلس … أسماء معتمد فيها ومعتضد
القاب مملكة في غير سلطنة … كالهر يحكى انتفاخا صولة الأسد
وقد ساء الوضع على ما عرفه الشاعر القديم ولا يزال يسوء.