الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

وإذا رجعنا إلى الحديث عن علماء الأباضية في البلاد التونسية تجدهم من أكثر علماء الأمة كفاحا في هذا الميدان وحرصا عليه، وإذا كان بعض علماء الأمة في البلاد الأخرى تسندهم دول، وتقدم لهم المساعدات المادية أو المعنوية، فإن علماء الأباضية، كانوا يحاربون الجهل بما لديهم من وسائل دون أن يعتمدوا في ذلك على ذى سلطان. وكانت بلادهم من أكثر البلاد الاسلامية مدارس، وكانت نسبة المتعلمين أعلى نسبة، وكانت الأقسام الداخلية تاوى كل من لا تتيسر له الدراسة على نفقته، وكل ذلك إنما يقوم العلماء أنفسهم، فهو يتولون التعليم، وهم يتولون إنشاء المدارس، وهم يتولون جمع الطلبة وجلبهم للدراسة، وهم يتولون الإنفاق عليها فإذا كانت مورادهم الاقتصادية لا تتسع لذلك، استعانوا بغيرهم، فكان الواحد منهم يبذل وقته وجهده وماله، ليوفر للطلبة وسائل الراحة والإقبال على التعليم، وقد يتفق مع أصحاب المال أن يقوموا بالجانب المادي فيتولون الإنفاق على مشاريعه التعليمية ليواصل هو كفاحه في سبيل نشر العلم وبث المعرفة، ولعل هذه الظاهرة كانت أظهر في جربة منها في غيرها من بلدان الأباضية في المملكة التونسية وقد اتضحت أكثر في القرون المتأخرة عندما انحل رباط العزابة الذلين كانوا يشرفون على التعليم وأصبحت قضية التعليم احدى الواجبات الهامة التي صارت منوطة بالعلماء مباشرة وأصبحوا يحسون بوجوبها احساسا بليغا فكانوا يضمون إلى جهودهم العلمية جهود أصحاب المال المادية ليقوموا بهذه الرسالة المقدسة على احسن ما يمكن.

٢٧٩ / ٣٥٥