الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣لقد اهتم اولئك العلماء بالأمة اهتماما عظيما من جانبين جانب التعليم والتعليم وجانب السيرة والسلوك والمحافظة على دين الله، فكانوا لا يكتفون بالسؤال، ولا بما يبلغهم عن أخوانهم من طريق السماع، وغنما كانوا يفضلون المشاهدة ويعتمدون عليها، ولذلك فهم لا ينفكون عن زيارات جميع النواحي والاطلاع على احوالها، ومعرفة شؤونها عن كثب فكان العالم من القيروان مثلا، يزور جميع بلدان الجنوب حتى يصل إلى وادي اريغ وقد يستمر إلى وارجلان به او بادية بنى مصعب. وقد يسير مشرقا حتى يصل إلى جبل نفوسة وهو في جميع ذلك ينتقل بين بلد وبلد وقرية وقرية وحى وحى، زائرا ومتفقدا ومعلما، ومتعلما، وكلما حل مكانا نظر فإذا وجد أهله يحتاجون إلى تعليم او تقويم اقام عندهم للتعليم او للتقويم، وإذا وجد عندهم علما ليس عنده مكثف للتعليم وإذا رضى حلهم من اناحيتين العلمية والدينية ولم يجد داعيا للبقاء بينهم انتقل إلى غيرهم، ولقد كانت هذه المسافات الممتدة التي نراها اليوم شاقة ومتعبة بوسائلنا الحاضرة - كانت عليهم يسيرة سهلة هينة بوسائلهم في تلك العصور. ذلك إننا نركب القطار والسيارة والطائرة، ونقيس المسافات والأعمال بالمقياس المادى الموغل في المادية أما هم فقد كانوا يركبون عزائمهم وارداتهم، ويقيسون المسافات والمشاق بمقاييس روحية، فتضاءل امامهم العقبات، وتطوى المسافات، وانه ليندر ان تجد عالما من أولئك العلماء لم يزر اغلب البلدان التي بها اخوانه في المذهب، ويعطيها وياخذ منها وقد يقيم في البلد الأخير ويستقر كما فعل الكثيرون منهم.