الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٩وشب الطفل في البيت الجديد والوطن الجديد تحت رعاية الأب الجديد حتى اشتد ساعده ونضج تفكيره وفاق الاقران علما وعملا، وضاقت دور التعليم عن مواهبه، فبدأ يرنو إلى بعيد حتى يسرت له أسباب الرحيل إلى البصرة إلى مطلع الشمس إلى ذلك البلد القريب من وطنه الحبيب. وبقد كان وهو يفكر في السفر إلى البصرة، يذكر المسافات الشاسعة التي قطعها حين ورد إلى القيروان، ولكن كان يهون عليه سلوك ذلك الطرق ويخفف من متاعبه، أولا الغاية الكبرى التي وضعها بين عينيه، من الورود إلى منابع العلم الصافية أما ثانيا فقد كان يداعب خياله أمل في أنه حين يصل إلى العراق سوف يكون قريبا من فارس فيتنطس أخبار الوطن ولعله يعرف مآل ثروة أبيه وأملاكه ولعله يجد وسيلة للحياة الكريمة في الوطن العزيز. فلما وصل البصرة، واستقر به المقام، وتلقى الدروس الأولى على أبي عبيدة. تفتح عقله الكبير لحقائق أكبر مما كان يفكر فيه. وعلم أن المؤمن حيثما كان في بلاد الإسلام فهو في وطنه، فهو ليس فارسيا ولا قيروانيا ولا بصريا، ولكنه مسلم يمكنه أن يعيش في أي جزء من العالم الإسلامي الفسيح، أما المكان الذي يجب إن يستقر به أي مكان يحتاج إليه للقيام برسالته، والاستمرار في دعوته، والكفاح من اجل إقامة دين الله، ومقاومة أولئك الذين يدعون زورا إنهم يحكمون بالإسلام. إنه يجب أن يعد نفسه للكفاح في سبيل الله أما المكان الذي يعيش فيه فليس بذي أهمية، لأن الأقدار هي التي سوف تسوقه إليه. على أن المؤمن ليس له وطن، فهو في رحلة طويلة في هذه الحياة من أجل مثل أعلى وغاية أسمى، وليس له أن يقيم إقامة الخالدين. إنه يجب عليه أن يكون مستعدا في كل حين لتحمل أعباء الرسالة في أي مكان. وإلا فإن إيمانه بالله وطلبه للعلم، وتحمله للمشاق لا يكون ذا جدوى.