الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٠اقتنع عبد الرحمن بهذه المبادئ، ووعى حقائقها واستقرت في ذهنه فمضى في دراسته خمس سنوات كاملة في ذلك المعهد العظيم الذي انتج عقولا وخرج فحولا وتكونت له أواصر صداقة وحبة وتفاهم مع بعض الزملاء، واشترك معهم في الاتجاه والتفكير والعمل، وبحثوا منهاج حياتهم وكفاحهم للمستقبل، ودرسوا الموطن الذي سوف يركزون فيه نضالهم، ويبدأون منه انطلاقهم، من اجل الحق وإعلاء كلمة الله، وتعاهدوا على إن يتآزروا ويتعاونوا ويعيشوا كتلة واحدة ما أمكنهم ذلك. ولم يحاول واحد منهم أن يدعو بقية الزملاء إلى مواطنه ليتخذوا منه قاعدة إنطلاق للكفاح فيكون قد استغل عواطفهم ولكنهم درسوا موضوعهم على ضوء الأحداث السياسية لذلك الحين، واستقر رأيهم أن تكون طرابلس من بلاد المغرب هي منطلق الدعوة مبدأ الكفاح.
ولما تأكد الإمام العظيم من نضوج هؤلاء الفتية في دينهم وأخلاقهم وعقولهم أذن لهم في السفر والبدء في المعركة الطويلة، لتثبيت دعائم الحكم الإسلامي. فغن سهاما كثيرة توجه إليه منها ما يصطبغ بلون السياسة، ومنها ما يصطبغ بلون العقيدة، ومنها ما يصبغ بألوان أخرى على إنه وهو يوصيهم وصاياه الأخيرة اخبرهم أن عبد الرحمن بن رستم الفارسي قد بلغ درجة الاجتهاد في العلم فيحق له أن يفتى بما سمع منه وما لم يسمع ولم ير لغير عبد الرحمن من أفراد البعثة العلمية هذه الدرجة العلمية فقد أوصى بعضهم أن يفتوا بما سمعوا بما سمعوا منه فقط أما البعض الآخر فقد أوصاهم أن لا يتقدموا للفتوى لا بما سمعوا ولا بما لم يسمعوا، وقد أوصى المجموعة إذا تمكنت من القيام بأمر الأمة أن تولى الإمامة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى. فهذا أقوى المجموعة شخصية وأصلبهم إرادة وأمضاهم عزيمة وأقدرهم على قيادة الجماهير.