الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

وفي مسلك الأعمى الفهمى الذي عرضناه في إحدى الصور السابقة أيضاح للانحطاط الدينى والخلقى الذي يمكن ان ينحدر إليه الإنسان، حين تغلب عليه المطالع الشخصية فيصبح لا يفكر إلا في استرضاء مرؤسه، فتجردا عن كرامته كرجل مسلم يخضع لمقاييس الحق والعمل التي جاء بها الدين القويم، ويصيرا اراجوزا خشبيا هزيلا تدفعه المطامع إلى أسخف ألوان التزلف والملق. فهذا رجل أعمى العينين لا يطيق حمل السلام وهو نحوى فاضل كما يقول التيجاني يعنى انه ذو مبلغ من العلم ويحفظ كتاب الله فاختاره الخليفة ليربى له أولاده ويعلمهم كتاب الله واداب الاسلام، وكان يكفى هذا الأعمى في التقرب والتزلف من الخليفة أن يظهر له الرضا عما ارتكب من ظلم وان يبدى له استبشاره بهذا النصر على طائفة من اخوانه المسلمين ولكن الأعمى السخيف كان يعتقد ان هذا لايكفيه في اظهار مبلغ مسرته، فطلب ان يقدم إليه رجل يقتله بنفسه كانه يتقرب باراقة الدم البشري الذي صانته كرامة الاسلام، وكانت ظروفه الخاصة تحول دونه ودون ان يطلب منه ان يلوث يديه بالدماء ولكنه أثر أن ينحدر إلى هذه الوهدة.

فقرب إليه رجل موثق بالحبال. وهنا تبلغ السخافة بالأعمى الفقيه النحوى الفاضل ابلغ ما تبلغ السخافة برجل لا يحترم اليدن الذي يسبغه على نفسه ولا الكتاب الذي يحمله في صدره ولا حتى البشرية التي ينتسب إليها فيقف موقف المستهين بأمر الشرع في النهى عن التمثيل بالقتلى، ويصبغ هذه الجريمة النكراء بلون التمثيلية الهزلية فيطلب الملح والصعتر كما فعل العوام بالضحايا في الاعياد ليضحك الناس وليرضى سيده.

٣٠٠ / ٣٥٥