الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٠١هكذا يصبح هذا المؤدب الذي اختاره الخليفة لتربية اولاده، وتعليمهم كتاب الله، اجرأ على مخالفة احكام الله وأبعد من آداب الإسلام، في عمل ما كان يطلب منه، ولا تظن فيه القدرة عليه، ليجرئ الخليفة على ما يرتكب في عباد الله، ويفضى على اخطائه ثوب الشرعية حتى يرتكب اولئك الناس ما يرتكبون من جرائم ومناكر وكانما هم يتقدمون إلى الله بأنواع القربة والطاعة.
كان علماء الأباضية من أشد علماء الأمة نقدا لهذا المسلك، ووقوفا في جوه الظالمين واظهار السخط عن أعمالهم المنحرفة، ولذلك فقد تسلط اولئك الظالمون عليهم وآذوهم في الله وقتلوا منهم عددا غير قليل وكانت نقمتهم عليهم أكثر من نقمتهم على أى طائفة من طوائف المسلمين فلم يزالوا بهم يوالون عليهم النكبات. ويوجهون إليهم الضربات، ويواصلون عليهم الغارات، حتى استأصلوهم من جميع المواطن التي عمروها غير جزيرة جربة التي صمدت للكفاح. وثبت للظالمين، ولقنت المستعمرين الأفرانج في بعض ادوار التاريخ دروسا عرفتهم قيمة البطولة الإسلامية عندما يتولى قيادتها الإيمان والحق.
كفاح التعصب المذهبي
منذ النصف الثاني للقرن الأول اختلف اراء بعض علماء المسلمين في بعض أصول العقائد وفي كثير من الفروع، وتكونت بناء على هذا الاختلاف في فهم نصوص الكتاب والسنة فرق وطوائف تتمسك كل واحدة بما اقتنعت به وحسبته أصح، لأنه فيما ترى يستند على البراهين القطعية المعتمدة على أصول الشريعة، وكان الخلاف في مبدأ الأمر علميا فلسفيا يدور بين طبقة مخصوصة من كبار التابعين ومن جاء من بعدهم، ولكن سرعان ما استغلته السياسة من جهة، والأيدي المحاربة للاسلام في خفاء من جهة أخرى كما استغلته المطامع الشخصية، وعمل على تقويته وإظهاره في مظهر العنف والشدة ما يتحلى به بعض من يتمنى إلى العلم من تعصب مبنى على ضيق الأفق والفهم السطحى والتحجر الفكرى.