الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

وتعاونت هذه العوامل جميعا بقصد أو بدون قصد على توسيع الخلاف بين الأمة وأذكاء نار الفتنة بين طوائفها وفرقها، وتمكنت بعض تلك العوامل أن تستغل هذا الخلاف لأغراضها الخاصة، كالهيمنة على الدولة، والتسلط على الحكم، او الانتقام من بعض الطوائف والأفراد، او إدخال بدع في الدين بقصد إفساده إلى غير ذلك من الدواعي والأسابا. وكلما امتد الزمن ازداد الناس بعدا عن الدين وعن فهمه والعمل به، فازدادوا عمقا في الخلاف، وايغالا فيه، حتى جاءت ازمنة كان يحسب فيها المتفقهون الجامدون انزال العقوبة بمن يخالفهم في المذهب قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، وإن سب الفرق المخالفة لهم، وصب اللعنة عليهم من طاعة الله، وتشبعت أفكار الغوغاء بمثل هذه الآراء، وكان بعض المنتسبين إلى العلم يتملقون اولئك الغوغاء ويتقربون إلى الحكام بمبالغتهم في إظهار الكراهية لمخالفيهم، وقد يستحلون منهم ما حرم الله فكانت ترتكب بسبب ذلك جرائم مؤلمة ليس لها من سبب سوى التعصب المذهبي.

من المواضيع التي تناولها البحث والنقاش في القرن الأول في عصر الدولة الأموية موضوع الدول الظالمة الجائرة، هل يجب على الأمة إذا تولى امرها امام جائر لا يتقيد باحكام الله، أن تضرب على يده، وتطالبه بالعد او العزل وإذا امتنع عليها هل يحق لها الخروج عليه وقتاله إذا اقتضى الأمر؟ … وافترقت آراء العلماء في هذا الموضوع فذهب بعضهم إلى وجوب مطالبته بالعدل والقيام بأمر الله والتزام أحكامه فإذا امتنع جاز عزله او قتله. وذهب آخرون إلى أن الصبر على ظلم الإمام وعدم قيامه بأمر الله أهون من الثورة عليه لأن الثورة عليه قد تؤدى إلى فتنة تذهب بالأموال والأرواح.

وأصبحت هذه الآراء فيما بعداراء للمذاهب الإسلامية كل مذهب يرجح رأيامنها ويذهب في تعليله والتليل عليه بنفس الحرص والقوة التي يدلل بها على غير ذلك من آراء المذهب.

٣٠٢ / ٣٥٥