الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة، اهتم المؤرخون منها اهتماما خاصا ببعض المواقف التي وقفها خلفاء الدولة العباسية لحمل الناس على بعض آراء المعتزلة، وتحدثوا باسهاب عن المحن التي اصابت بعض أئمة المذاهب بسبب آرائهم المخافة لآراء الدولة، ولعل ما كان يقع في جهات أخرى كان أشد وأقسى، فقد تسلط بعض الخلفاء العباسيين على بعض الأئمة الذين يخالفونهم في بعض الآراء العقيدية. فحبسوا منهم من حبسوا وضربوا من ضربوا وعذبوا من عذبوا وعقدوا لهم مجالس المناظرات ولكن غيرهم من السلاطين قد تجاوز هذه الموقف كلها في حمل الناس على مذاهبهم. ولقد سبق ان أشرت في بعض الفصول السابقة إلى أحداث مما قام به المعز بن باديس حين آراد ان يحمل الناس جميعا على اعتناق المذهب المالكي الذي اعتنقه هو أخيرا بعد ان كان على مذاهب الشيعة، ولكنه رجع إلى الأشاعرة لأن أغلبية السكان الذين كانوا تحت حكمه كانوا أشاعرة فاعتنق مذهبهم ليضمن ولاءهم ثم زاد على ذلك فاشتد في عقاب مخالفيه وآذاهم في اموالهم وأنفسهم، ولقد تتبع الأباضية في كل مكان وأنزل بهم ما يستطيع من الأذى، وضيق عليهم مجال الحياة، حتى هاجر كثير منهم، ولم يقف عند هذا الحد بل تجاوز ذلك إلى نوع من الطغيان لم يسبق إليه، فقد جمع إليه علماء الأباضية وصلحاءهم، ثم أمر بقتلهم، حتى ينشأ الناس غير عارفين بهذا المذهب فيعتنقون مذهب الملك، وهي خطوة لم يخطها أحد من ملوك المسلمين في تاريخهم الطويل.