الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣١٦ولعل من الأشياء التي اضرت بالأباضية انهم كانوا يتنزهون كثيرا عن الشبهات، ويحاولون جهدهم ان يبتعدوا عن الحرام وأسبابه ولما كان اكثر ولاة الحكم لا يراعون احكام الإسلام في نظام الحكم، وجباية الأموال. فقد كان الأباضية يبتعدون عنهم فلا يعينونهم، ولا يستعينون بهم، ولا يتطلعون إلى الدخول في وظائف حكوماتهم، ولا يسعون إلى الحصول على المناصب فيها، وغنما كانوا يحاولون ان يعيشوا في مجتمع نظيف، بعيد عن مظاهر الحكم، قائم بدين الله حريص على أن يتولى شئونه الدينية بنفسه لا يبالى ما يراه فيه الغير وكان الأباضية في البلاد التونسية بالذات قد يخضعون للدول المتعاقبة، او للحكام المختلفين على منصة الحكم ويدفعون لها او لهم ما يتقرر من ضرائب وتكاد تقف علاقاتهم بالحكومات والحكام في هذا الحد لو تركوا وشأنهم.
ولكن اولئك الذين يصطادون في الماء العكر أما لعصبية طاغية على نفوسهم أو مطامع تمليها عليهم شهواتهم وأما لتزلف وتقرب وملق إلى الحكام التماسا للحصول على مرتبة او منصب، واما إظهارا لحماية الدين والذود عنه استجلابا لمحبة العامة واحرتامهم. هؤلاء الذين يصطادون في الماء العكر لا يلبثون ان يحرضوا أثائر من الثوار او شيخا من شيوخ القبائل الضاربة على شواطئ الجزيرة تحترف الغارة والسلب، او اميرا لا تزال خزائنه في حاجة إلى مزيد من المال، او حاكم يعتقد انه اعظم من ان يبقى احد دون ان يدخل تحت جناحه في رغبة وشوق، فيوحى إليه أولئك المتملقون بإن أولئك الأباضية مخالفون في الذهب، وانهم غير معترفين بالحكم، وغنهم يستكبرون في انفسهم فلا يعودون بمشاكلهم إلى الدولة. ولا يرجعون إليها في شئونهم الخاصة.