الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣١٧

وهكذا تتجرد غارة او حملة على موطن من مواطن الأباضية فتذهب أرواح وتستباح أموال. ولم تزل هذه المواقف متكررة في أغلي البلاد التونسية فكان الناس في بلاء متواصل مما اضطرهم أما إلى الهجرة واما إلى تغيير مذاهبهم حتى انقرض المذهب الأباضي من بلاد الجريد كلها ومن جبال دمر وما يتصل به ومن القيروان وقابس والحامة وغيرها ولم يبق في غير جزيرة جربة على ان سكان جربة قد عانوا من التعصب المذهبي أشد ما تعانية امة، وقتل في سبيل ذلك من أبنائها علماء اعلام وعذبت طائفة ومثل بآخرين ولم يكن يخفف عليها إلا حينما ترتفع المشاكل إلى تونس ويحضرها علماء الشريعة المحققون الذين يرتفعون بفهمهم لكتاب الله عن مستوى العصبيات والترضيات. وقد سبقت أثناء هذا الكتاب اشارات إلى ذلك.

كان موقف الأباضية منذ تأسس نظام العزابة هو موقف الدفاع في أضيق مجال مهما كان العدوان الذي يسلط عليهم وكانوا يبتعدون بعدا كاملا عن الاشتراك في الحكم والنزاع عليه، وكان العلماء منهم يكبحون جماع العوام ان يخطئوا فيرتكبوا في غيرهم ما يرتكبه الغير فيهم، عندما يكون العدوان عليهم بالسلاح يقنصرون على دفع الأذى على انفسهم ورد العدوان عنهم إن استطاعوا دون ان ينتقموا او يقوموا بالمثل حتى عندما تتحقق لهم الغلبة، اما عندما يكون العدوان بالطعن في العقيدة. او في آراء المذهب، فيقتصرون علماؤهم غالبا على بيان براهينهم وحججهم التي اعتمدوا عليها والأول التي استندوا إليها في القول الذي اختاره. إلا إذا كان المنتقد لهم قد بلغ به التنطع واللجاج إلى الحد الذي أصبح يتحدى القوم بذلك فغنهم جينئذ، يتجهون إليه بالرد، على سبيل من سبل المناظرة المعروفة في تلك العصور. ملتزمين ما أمكن آداب المناظرة.

ويبدو من بعض الأحداث التي حفظها التاريخ ان علماء الأباضية قد بدأوا منذ القرن الحادي عشر يتخلون عن موقفهم في الدفاع السلبي، والبعد عن رجال الحكم. إلى دفاع فيه بعض الإيجابية.

٣١٧ / ٣٥٥