الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨كلما اعتدى الافرنج على جربة او حاولوا الاعتداء عليها تلقت ذلك منهم بثبات وصبر، وزادها العدوان عليها قوة وشجاعة وجرأة على المعتدين، وردت عدوانهم في نفس الوقت، فأن غلبت ثارت علينم بعد حين قريب، واخذت بثارها، وانتقمت منهم لنفسها ولم يخسر الجربيون - في جميع تلك الحروب التي شنها عليهم انصار الصليبية، وقادة القرصنة - لا من النواحي المادية، ولا العددية، ولا النفسية، خسائر ذات قيمة. وحسبك ان تعلم انه في المعركة الكبرى التي استعد لها الإفراج أكبر استعداد، وجهزوا لها أضخم أسطول، وجمعوا لها أكبر عدد من المحاربين حتى بلغ عددهم عشرين ألفا من المقاتلين المدربين، ولم تجمع جربة سوى ثلاثة آلاف فيهم شيوخ عجزة ومراهقون حملوا السلاح لأول مرة. في هذه الموقعة التي استعد لها الأفرنج هذا الاستعداد العظيم وخسروا فيها آلاف من القتلى وما لا يقدر من أموال، ولم تبلغ خسارة جربة مائة مقاتل على أكثر الروايات مبالغة، وقد استطاعت جربة ان ترد هذا الهجوم العنيف، وان أصدقاؤها ولا جيرانها ولا الدولة التي تدفع لها الضرائب.
كانت جربة في جميع تلك الحروب التي يشنها عليها الاستعمار الافرنجي تجد علماءها وصلحاءها ومشائخها في مقدمة المجاهدين يحرضون الناس على القتال ويأمرونهم بالصبر، ويعدونهم - ان هم اخصلوا - بالفوز ويقاتلون العدو كاشد ما يقاتل الابطال فيقتلون ويأسرون ويغنمون الاموال ولكنهم حين يتغبر الموقف فيشن الحرب عليهم قوم ينتسبون إلى الاسلام سواء كانوا من تلك القبائل الثاوية في الصحراء تحترف الغارة للسلب والنهب، او اولئك الولاة الذين يبحثون عن الحكم والمال، فيتعاقبون على محاربتها مرة من طرابلس ومرة من تونس واحيانا كثيرة من غيرهما.