الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥اما الشيخ عبدالرحمن هذا وهو من عائلة بنى جلود من سكان الجزيرة نفسها فيسافر إلى تونس ويستدين من النصارى أموالا كثيرة يدفعها لوالى تونس ثمنا لكرسى المشيخة على الجزيرة. ويتولى فعلا مشيختها وبمجرد تسلم مهام منصبه يفرض على السكان المساكين ألفى مطر من الزيت والمطر كما يقول الشيخ أبو الربيع واحد وستون رطلا يذهب بها إلى نصارى فيدفعها لهم مقابل ديونهم عليه. الديون التي اشترى بها منصب المشيخة على جربة من الدولة العلية، ثم يعود إلى الحزيرة فيلقى على السكان المساكين مزيدا من الغرامات غرامة تلو غرامة ليجمع الثروة في أقرب وقت ممكن وهذه الغرامات المتوالية يلتمس لها اتفه الأسباب ولا يكفى عن الضرائب السنوية التي تجمع للدولة، ومع هذا الظلم وهذا الحرص على المنصب والمال تضيق الحياة بالرجل فيموت منحرا. يقول العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت ((وفي جمادي الأول من السنة المتممة للمائة القى الله الرعب على الحياة، وارتحل من داره لوادي الزبيب، وسكن بتاجموت وفي الليلة السادسة من رجب ضاقت عليه الأرض بما رحبت فعمر بندقيته تعميرا بليغا، فلما جن عليه الليل اغلق الدرا على نفسه ومكنها من قلبه فمات.)) والمتتبع لتاريخ جربة في هذا العهد يجد كثيرا من هذه الصور المؤلمة التي تجتمع فيها ظروف الحياة القاسية، مع مظاهر الحكم الظالمة، فهى تمتاز بالنزاع المتواصل بين الحكام المحليين الذين كانوا يشترون مناصب الحكم بالأموال التي يدفعونها إلى الدولة المركزية، في تونس، ثم يفرضون تلك الأموال بصورة غرامات وعقوبات على الناس، فيجمعونها منهم ويرتكبون في ذلك أشد أنواع الأرهاق والظلم، ولا يكفيهم هذا بل يضيفون إلى ذلك فرض ضرائب سنوية على كل شئ حتى على الرؤس من بنى آدم. وقد أدى هذا المسلك من الحكام إلى نتيجتين: الأولى. سخط الناس على من يتولى الحكم وتمنيهم زوال أيامه والعمل على تغييره واستبداله.