الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩أعتقد ان هذه الصورة التي نقلتها عن مؤرخين معاصرين لتلك الأحداث كافية في أيضاح الحالة المؤلمة التي كانت تعيش عليها الأمة الجربية الكريمة في ذلك العهد ولعل أسرة بنى جلود هى أشأم أسرة حكمت الجزيرة من أهل جربة، فلقد عاشت الجزيرة في عهد بنى سمو من عيشة الأمة المستقلة داخليا ملتفة حول علمائها، يفصلون مشاكلها وينظمون شؤونها حسب احكام الاسلام، وكان الشيوخ من بنى سمومن متضامنين مع العلماء والعزابة يسيرون بتوجيهاتهم وارشاداتهم لا يطغون ولا يتجبرون ولا يختلفون ولا يتنازعون على الحكم فلما تولى بنو جلود من بعدهم نزع الشيطان بينهم فتنازعوا على الحكم وتقاتلوا عليه وكاد بعضهم لبعض واغتال بعضهم بعضا وانقسم السكان بسبب انقسامهم، واستنصر كل فريق منهم على الآخر بجميع الوسائل الشريفة والوضيعة، وأصبحت صرخات العلماء صيحة في واد، ونفخة في رماد، فلم يعد الناس يستمعون لهم، ولم تعد الحكومات تمكنهم من أداء رسالتهم، لأن نظام العزابة قد حل وأصبح صوت العلماء صوت أفراد لا صوت هيئة، وفل حد السيف القوى الذي كان يحول بين الناس وبين المعصية ومخالفة الجماعة، ذلك السيف الذي فرطت فيه، وفرط فيه جبل نفوسة فانفرط عقد نظامهم ووحدتهم وتعاوتهم وحافظت عليه ميزاب فحافظت على مزايا الأخلاق الاسلامية. ذلك السيف هو الحكم بالبراءة على من يخالف أحكام الاسلام ويبتعد بارتكاب المعصية عن الأمة المسلمة وسيرة المؤمنين الصالحين.