الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٤١ولم يطل هذا الموقف بالناس فقد تكشف لهم بعد زمن قصير أن ما كانوا يظنونه دولة ويسبغون عليه حرمة الأمر الحكومي وانه يتولى الحكم عليهم بأمانة الله. إن هىلا رغبات شخصية، ومطامع فردية اوصل بعض الناس إليها مهارتهم في نصب الحيل، وبراعتهم في تدبير المكائد، وخبرتهم بكيفية تقديم الرشاوى، وحرصهم على الاستغلال. وغن اولئك الناس الذين وصلوا إلى الحكم وأصبحوا يجلسون على كراسي الدولة ويتكلمون بأسمها إنما يعملون لأنفسهم وإن غيرهم ممن ينصرهم إنما ينال منهم بمقدار ما يؤدي من خدمات لهم لا للدين ولا للمة ولا للوطن. فأصيب أولئك الذين التحقوا بهم والين ترددوا في الالتحاق بصدمة جديدة، وعملت اليد الحاكمة على تفريق كلمة الناس، وتوسيع شقة الخلاف، وتسليط بعضهم على بعض، فنتج عن ذلك زيادة في ألوان التعصب المذهبي والجنسي والقبلي، غير ذلك من ألوان العصبية، ووجد اهل جربة أنفسهم محاصرين من عدة جهات. فرجعوا إلى الانعزالية التي عرفوا بها في الماضى، واعتمدوا على أنفسهم في الكسب والحصول على الثروة والمال، وبعدوا عن التعلق بأعمال الدولة، إلى الاشتغال الحر المتواصل، الذي لا يفتر ولا يمل، سواء كان ذلك في الزراعة ومجال الزراعة عندهم ضيق ومحدود، او كان ذلك الصيد البحري، صيد السمك والاسفنج او كان في الصناعة صناعة الفخار والصوف، أو كان في التجارة.
وفي الميدان الأخير ميدان التجارة تنافس القوم واهتموا له حتى برعوا فيه وبزوا غيرهم، وتغربوا من اجل التجارة إلى أقصى البلدان، واطالوا في الغربة الإقامة، حتى سيطروا على التجارة في كثير من البلاد وأصبح لهم ثقل في ميزان الاقتصاد وضرب بهم المثل في الحذف والمهارة والنشاط. وحتى تلك الأيدي التي كانت تشتغل في الزارعة أو الصناعة او الصيد استهوتها المكاسب التجارية في ديار الغربة.