الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٤٧ويقوم المتخاصمون وقد رضوا بحكم الله الذي اعلنه لهم شيخ المجلس العلمى مكتفين بذلك، مقتنعين بانه حق وصواب، لا يرتفعون إلى حاكم آخر ولا يتجهون إلى قاض من القضاة الذين قد تعينهم الدولة، لأن المجلس في نظرهم وفي الواقع أكثر دقة وكفاءة في معرفة الأحكام وحرصا على إيصال الحقوق، واوفر أمانة ونزاهة، وابعد عن دواعي الجهل او الخطأ، أو التأثر بالمؤثرات الخارجية كالخوف او الطمع.
ولقد تعاقب على الرئاسة العلمية لهذه المجامع في زمن العزابة وبعدهم عدد من فطاحل العلماء الاعلام. وكانوا يتعاقبون عليها بالكفاءة الشخصية فقط، فلم يكن هنالك من يسند إليهم هذا المنصب الكبير لا من الدولة ولا من الأمة، ولكن بتسليم العلماء لا علمهم واعرتافهم بتفوقه العلمى وتأهله لشغل ذلك المكان الكريم، ومفهوم بالطبيعة أن هذا كان يحدث بعد انفراط نظام العزابة، أما حين كان نظام العزابة سائرا ينعقد ويقوم بمهامه فهو الذي يسند الرئاسة العلمية إلى من يستحقها ويسمى شيخ العزابة ويسند الرئاسة المدنية إلى من يتوسمون فيه القدرة على رعاية شؤون الناس، ويسمى شيخ الحكم، ويكاد ينحصر عمل شيوخ الحكم هؤلاء او الحكام المدنيين على مفاوضة الدول التي تحكم الجزيرة أو تريد حكمها وتسليم مقادير الضارئب التي تفرض عليها، وعندما يحاول الأفرنج احتلال الجزيرة فإن هؤلاء المشائخ بالتعاون مع مجالس العزابة ينظمون وسائل الدفاع ويشرفون عليها وقد يتولون قيادةة المعارك الحربية كما فعل أبو زكرياء السمومنى.
ولقد داب علماء الجزيرة على هذا الوضع من عقد المجامع العلمية إلى عصر الشيخ سعيد بن تعاريت.