الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٢كان أبو القاسم غنيا ذا مال كثير، وكان ينفق إنفاق من يغرف من بحر، حتى ذهب العذال إلى أبيه يقولون له أن ابنك هذا لا شك مجنون، فهو يعلم ويطعم ويعطي فوق ذلك من أمواله الشيء الكثير. انه لم يكتف بأن يعلم مجانا لا يتقاضى عن مجهوده العملي شيئا حتى كان ينفق على طلابه ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء، ثم هو لا يقتصر على هذا المجهود العظيم في التعليم والإطعام، حتى يبذل لهم ولغيرهم من المحتاجين ما يرومون من أموال. ولقد كان أبو القاسم بمنزلة الإمام للاباضية وكانت مدارسه عامرة بمجموع من الطلبة من مختلف الجهات.
بعد أن أتم دراسته واستعد للحياة التي يحياها الناس، وأخذ من العلم ما يفتح أمامه أفاق المعرفة فكر في الزواج، وبحث عن امرأة تجمع بين الخصال التي يطلبها أمثاله من خلق ودين وعلم فوجدها في فتاة من أسرة كريمة كانت تسمى الغاية لها من الجمال والخلق والدين والعلم ما يرشحها لان تكون زوجة له فخلبها من أهلها وزفت إليه فكانت في بيته مرجعا للمؤمنات ومرشدة هادية للفتيات وقدوة صالحة للمقتديات الصالحات وعندما توفي أبو القاسم بقيت الغاية مقصدا لطلاب العلم والدين والخلق القويم وكان العلماء والمشائخ يزورونها ويستشيرونها ويستفتونها ويرجعون في كثير من الأحيان إلى رأيها وكثيرا ما يلجأ إليها عالم من كبار العلماء في معضلة من معضلات علم الفقه أو علم الكلام فيقول لها ماذا كان رأي أبي القاسم أو ماذا حفظت عن أبي القاسم في كذا وكذا فتجيبه بما حفظت عن زوجها.
كان أبو القاسم يحدث طلابه يوما ويحرضهم على الدراسة وينصحهم بالابتعاد عن كل ما يشغلهم عن التعليم فقال لهم لأن يبلغني موت الطالب خير من أن يبلغني تزوجه، وكانت الغاية تستمع إليه من وراء ستار فقالت له: لماذا تزوجت إذن؟ فقال لها لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها الرحال. يعني وتركتك أيتها الزوجة المحبوبة.