الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٤٧

لقد علم المعز بن باديس إنه أخطأ في قتله أبا القاسم وإن هذه الثورة التي كان في غنى عنها إنما قامت بسبب ذلك الخطأ ولذلك فقد غير سياسة العنف إلى سياسة اللين فأطلق سراح أبي محمد ويسلان وعفا عن أبي نوح وأعلن الأمان والعفو عن أبي خزر وجميع أتباعه في كل مواطنهم، وهذأ الناس والقوا بالسلاح واطمأن أبو خزر فرجع إلى موطنه الحامة ودعاه إليه المعز أبو تميم وأكرم وفادته وأظهر احترامه ورفعه فوق مرتبة من كان يحضره من العلماء. لقد كان المعز يخشى أبا خزر أن قتله أو أطلقه ولذلك فقد أراد أن يقيده بالإحسان وكان يعلم أ فشل الثورة السابقة إنما كان صدفة بسبب التسرع. وكان السلطان الكبير ينوي الانتقال إلى القاهرة ويعد نفسه لذلك وكان يعلم إنه إذا بقى أمثال أبي خزر وأرادوا قلب نظام الحكم من بعده فإن ذلك سوف يكون شيئا يسيرا عليهم، في غياب السلطان وأكثر رجال الدولة. ولذلك فعندما عزم على الرحيل دعا إليه الإمامين أبا خزر وأبا نوح وأخبرهما إنه منتقل إلى مصر ليتخذ القاهرة مقرا للحكم، وإنه في مسيرة هذا لأغنى له عن كبار العلماء، ليجل بهم مجلسه ويرجع إليهم في مشاكله وشوراه، ويدفع بهم سورة الجدال والمناظرة. فوافق أبو خزر أما أبو نوح فتمارض عندما بدأ السلطان بالحيل. واكتفى المعز بأبي خزر فانه الرجل التي تحتل شخصيته أكبر مقام في البلاد، وتسمع كلمته دون مراجعة، وإن الناس لا يقدمون بأي خلاف على الحكومة في غيابه لأنهم يعرفون إنه ما أخذ إلا رهينة فلو قام اتباعه بشيء لو صل إليه الأذى حتى وهو في ديار الغربة. وأمن المعز جانب الاباضية بعد موافقة أبي خزر على الرحيل ودخل أبو خزر فعلا إلى مصر وعاش هنالك عيشه رغد وهناء وكان يتمنى من حين إلى حين لو أتيح له عدد من الطلبة الأذكياء ليعلمهم ويربيهم وينفق عليهم مما أتاه الله ولكني أحسب أن هذه الأمنية لم تتحقق له.

٤٧ / ٣٥٥