الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥١ولما بلغ ما يطلب منه إخوانه من جبل نفوسة بكى وقال الحمد لله الذي جعل لي أخوانا يعاتبونني على ما بلغهم من التقصير قبل يوم القيامة. ثم أوضح لهم موقفه ووجهة نظره فأبان أن تغريمة للأرمل واليتامى، وجمعه الأموال من الضعفاء والفقراء وتقديمه لأعوان الدولة الظالمة إنما هو مداراة عليهم ودفع للأذى عنهم ورد لما يرتكبه الظالمون مع من لا يبادر إلى إحضار ما يفرض عليه من الضرائب، فهو بجمعه للأموال من الناس وتقديمها إلى أعوان الدولة إنما يوفر عليهم العنت والإهانة والتعذيب والمبالغة في العقوبة، وكأنه في ذلك يستند إلى القاعدة العامة التي وضعها بعض علماء الإسلام إسنادا إلى الشريعة السمحة» على العام أن ينظر للجاهل ويتحرى له مصلحته في الدنيا والآخرة «أما في التزامه احتسابا لله لا ليقظان فقد قال لهم:» والتزامي الأمر ليقظان إنما التزامه احتسابا لله لا ليقظان. «فهو لم يكن ينظر إلى شخص اليقظان وإنما كان ينظر إلى الأمة ويشفق عليها وهو في ذلك يذهب مذهب كثير من علماء الإسلام الذين عاشوا في ظلال الدول الظالمة وأذعنوا للسلاطين الجورة خوفا من الفتنة وطلبا للسلام وحقنا للدماء.
ويبدو لي إن أبا الخطاب حسبما يفهم من سلوكه ومن لينه وحيائه وعشرته لمن ينقم عليه وتعامله مع من يحكم عليه بالبراءة إنه كان يقدر وحدة الأمة المسلمة أكثر من أي شيء فهو حريص أن تبقى الأمة في سلام لا ترتفع فيها دعوة إلى ثورة ولا صيحة إلى تفرقة، لأن الاختلاف والافتراق يؤدي بالأمة إلى حالة أشنع من الحالة التي هم عليها، فإن الحاكم الظالم قد يمكن اصلاحة حين تستقر الأمور وتهدأ أما انشقاق الأمة واراقة الدماء بينها فإنها تؤدي لا محالة إلى القضاء عليها.