الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥٢ولعل الحوادث التي وقعت بعد وصول اليقظان إلى الحكم واختلاف الناس عليه ثم قتله أثبتت مقدار بعد نظر أبي الخطاب في هذه القضية فقد جاء أبو عبد اله الحجاني الشيعي فوجد اليقظان مجفوا مبغوضا فقتله ووجد المملكة الرستمية لقمة سائغة فأزدردها، ثم ارتكب من الفواحش ما كان يشفق منه أبو الخطاب فقتل دون حساب، وانتهك الحرمات دون حياء، وكان من أفظع الجرائم الإنسانية التي ارتكبها إحراقه للمكتبة الكبرى (المعصومة) التي كانت تحوي الافا من المجلدات ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كان أبو الخطاب ذكيا وكان عالما بالشريعة الإسلامية وكان يفهم أسرارها فهم الفقيه المحقق الذي لا يقف عند أقوال الفقها، وإنما يتغلغل إلى أسرار الشريعة في مصادرها الثابتة من الكتاب والسنة والإجماع.
جاءه يوما غني من بني يهراسن يخبره إن له أخا فقيراً ممن لا يتصف بالورع ولا يتجمل بالتقوى وسأله هل يجوز له أن يعطيه زكاة ماله. ولو كان المفتي غير أبي الخطاب لأجاب دون إبطاء إنه يشترط فيمن تعطى له الزكاة الوفاء بدين الله. ولكن أبا الخطاب لم يجب بهذا الجواب وإنما طلب من الغني أن يحضر إليه أخاه فلما حضر اتجه إليه أبو الخطاب وقال له في لهجة قوبة: تب إلى الله. واستجاب الفقير دون تردد فقال تبت إلى الله فالتفت أبو الخطاب إلى الغني وقال له أعطه زكاتك ثم اتجه إلى الفقير وقال له لقد ألبسناك ثوبا هو لباس التقوى فإن تعريت منه فلا قتلك إلا الجوع. والكلمات الأخيرة في نظري هي أهم ما في الموضوع فلقد عمل أبو الخطاب على استثارة ضمير الرجل الفقير بالدعوة إلى التوبة فلما استجاب له أكرمه على هذه التوبة بإعطاء الزكاة فلما تم له ذلك أراد أن يشعره بأنه أصبح يتحلى بجمال روحي هو جمال التقوى وإن الإنسان العاقل لا يتجرد مما يكسبه جمالا وحبة وغنى.