الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥٤مر في بعض أسفاره البعيد على مدين، ووقف على تاجر قد أزدحم الناس عليه. وهو يكيل لهم، ويطفف الكيل، فلطمه أبو محمد، وقال له مذكرا بكتاب الله.» اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم. «فرفع غليه الرجل رأسه وهو يبتسم ابتسامه صفراء باهته وقال له: فينا والله نزلت يا مغربي. وكان أبو محمد يقيم أحيانا بالبادية وكان إلى جواره رجل غني اليد فقير القلب تروح عليه الأنعام وتغدو، ولكن أسرته تعاني من شظف العيش وبؤس الحياة ما يعانيه الفقراء المعدمون. فرأى أبو محمد أن الزم هذا الرجل بالإنفاق أمر بالمعروف ولكن الرحل غلبه شحه المطاع فلم يقف أبو محمد عند الأمر بالقول ولكنه انتقل إلى الطريقة العلمية التي هي أجدى في كثير من الأحيان، ولقد يحسن أن أنقل لك هذه الحادثة كما صورها أبو العباس الدرجيني بأسلوبه البليغ الرائع قال أبو العباس:» وذكر أن أبا محمد جمالا، كان في جواره رجل من أهل البادية، في سنة مجاعة، وللرجل صرمة، وقد أضربه الجوع، وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة فيطفئ شعت نفسه وعياله، فبلغ ذلك أبا محمد فجاهء فوجد في خيمة لا حراك له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل، وفي يديه حربة، فدخل في ابله فعمد إلى ناقة كوماء، لم ير في ابل الرجل أحسن ولا اسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل فقال لعل غيرها يا أبا محمد، فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نحره. قال لهم قوموا وكلوا فلما أصبح أغارت عليهم غارة فاكتسحت إبل الرجل، فلولا إن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ، لماتوا جوعا، فتبلغوا بشحم تلك الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم:» وواضح أن البدوي لم يستفد إلا من الناقة التي نحرها أبو محمد وهذه الظاهرة الاجتماعية التي تكشف عنها هذه القصة، قد تكون من أخلاق الناس مدى الحياة.