الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥٥وليس غريبا أن تجد في هذا العصر ناسا يملكون الإبل بالعشرات والأغنام بالمئات، ولكنهم مع ذلك لا يحسنون غير تزيين الأرض بتلك القطعان، فهم يعيشون عيشة فقر مؤلم، تعيش أسرهم على شظاف وشدة، ولا تستفيد منهم الأمة، لا يؤدون حق الله، ولا حق المجتمع. ونحن في حاجة إلى علماء في فهم أبي محمد يتولون حمل الناس على أداء الحقوق لأنفسهم ومجتمعاتهم حتى بالقوة. ولكنهم لا يتجاوزون في ذلك الحدود التي شرعها الله لصيانة أموال الناس وممتلكاتهم.
كان أبو محمد ينتجع الكلأ بمواشيه مع بعض أحياء مزاته.
وجاءهم جباة الضرائب الذين يجمعون الأموال دون قانون أو شريعة وطالبوا بالمقادير المفروضة ولكن أهل الحي تهاونوا ولم يهتموا بهم فقال الجباة إن بتنا ضاعفنا عليكم وكلما بتنا ضاعفنا الضريبة عليكم، وبقي أهل الحي على عدم اهتمامهم وقلة اكتراثهم،» حماقة وخرقا لا قدرة وعزا فجاء أبو محمد إلى جباة الضرائب وقال لهم قفوا على ترع الأحياء، ولا تتركوا الماشية تسرح. فإنهم سوف يدفعون لكم ففعلوا فلما رأى القوم ماشيتهم محبوسة بادروا إلى الدفع وانصرف عنهم الجباة فقال قائلون أن أبا محمد أعان الظلمة على المساكين والضعفاء فلما بلغه تقدهم لسلوكه قال:» إن لله على العالم إن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه. «ليت أن علماء الأمة جميعا يفهمون هذه القاعدة الهامة ويعلمون بها في مختلف العصور والأزمان فينظرون للجهال، ويدلونهم على ما فيه سلامة دينهم ودنياهم. وليست أعنى بطيعة الحال حمل الناس على الرضا بالظلم، فإن هذا لا يدع إليه مؤمن إلا إذا كان مضطرا كما كان أبو محمد وقومه وإنما أريد من العالم أن يدل الجاهل على ما يصلح له في دينه ودنياه من جميع مشاكل الحياة.
كان أبو محمد في دقة الفهم وعرفة أسرار الشريعة والتمييز بين الحقوق في المرتبة التي لا تداني.
ويدل على ذلك وسائلة في الحكم وإقناع الخصوم والى القارئ الكريم شاهدا على ذلك.