الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٥٧

هذه صور من حياة عالم من علماء الأمة كان قدوة للمسلمين ينهج بهم نهج الحق والاستقامة، ويخفف عنهم بكل الوسائل أذى الظالمين، ولا يبالي ما يصله بسبب ذلك من نقد قصر أصحابه عن فهم مراميه ومقاصده فرحمه الله ورضى عنه.

أبو مسور اليهراسنى

أبو مسور يسجا بن يوجين اليهراسنى. علم من أعلام العلم والفضل والاستقامة. وجد أسرة متسلسلة في خدمة دين الله قرونا متتابعة ولا تزال بقاياها حتى الآن قائمة بأمر الله.

بلغ أبو مسور درجة في العلم يقصر عنها الأقران، وعمل في حقل الإصلاح الاجتماعي ما يعجز عنه المصلحون.

كان رحمه الله غزير المادة. لطيف المعشر، سهل الخلق. لين العريكة، حييا متسامحا إلى أبعد حدود الحياء والتسامح. وكان ذكيا نافذ البصيرة. وكان مع ذلك جم التواضع حليما. يضاف إلى ذلك سعة في المال. وسخاء في النفس، وانطلاق في اليد، وكرم مطبوع، وهذه الصفات جميعا كونت له شخصية عظيمة محبوبة، وهيأت له عند الاباضية وغير الاباضية منزلة سامية لا يصلها إلا النادر من الناس، فكان ينظر إليه كما ينظر إلى الزعيم أو الحاكم المحبوب. ينظر الناس أمره ليلبوه عن رضا وحبة.

ولكنه كان أشرف من أن يستغل محبة الناس، وأنزه من أن ينحرف عن الحق، وأعدل من أن يميل مع الرغبات وأحكم من أن لا يقدر عواقب الأمور ونتائجها.

كانت الدولة العبيدية في عصره مستولية على أغلب المملكة التونسية، ولكن نفوذها في مواطن الاباضية كان ضئيلا لا يتعدى مبالغ من المال تؤخذ منهم. وقد كان أبو مسور هو الحاكم الفعلي كما كان الأئمة من قبله. ولو شاء أن يستقل بالجنوب التونسي عن الدولة العبيدية لسهل عليه ذلك ولكنه فضل أن يبقى على الوضع الذي هو عليه والذي كان عليه الأئمة من قبل مثل أبي القاسم وأبي محمد وغيرهم.

٥٧ / ٣٥٥