الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٦٩بعد سفر أبي خزر إلى القاهرة لم يطل المقام لأبي نوح فكان ينتقل من مكان إلى مكان يلقى دروس الوعظ والإرشاد ويحث الناس على الاعتصام بدين الله والاستمساك به، على إنه لم يأمن جانب الدولة العبيدية لا سيما بعد وصية المعز أبي تميم لخليفته بلكين أبن زيرى فانتقل إلى وارجلان وكان بها في ذلك الحين الإمام العظيم أبو صالح جنون بن يمريان مرجع الاباضية وملاذهم وأعلم علمائهم في تلك الأنحاء فاستقبله استقبال الأخ المحب لأخيه وآواه إيواء الأب لأبنائه البررة الأعزاء عليه وأجرى عليه من الأموال والأرزاق ما يستطيع أن ينفق منه أبو نوح على سعة ورغد وعامله الاباضية هنالك بما يعامل به أعاظم الرجال وكانوا يجتمعون إليه في مسجد جنون ويستمعون إلى دروسه القيمة في شغف ورغبة وتعطش وكان طلبة العلم لا يفارقونه ويسمرون معه إلى ساعات متأخرة من الليل. وارتفعت بينه وبين الطلبة الكلفة حتى قال له أحدهم يوما حدثنا بكل ما حفظت فقال أبو نوح كيف أحدثكم في ليلة واحدة بما أكلت في تعلمه اقفزة من ملح.
وبعد زمن اشتاق إلى موطنه فأراد الرجوع وحاول أبو صالح أن يثنيه عن عزمه وعرض عليه أن يقاسمه جميع أمواله وأملاكه وكان ذا ربع كثير فأصر أبو نوح على السفر. ولما وصل إلى المملكة التونسية وجد الأمور قد تغيرت عما كان تغييرا كبيرا فقد استبدت الدولة الصنهاجية بالناس وعاملتهم أقسى معاملة وحاربت من يخالفها في المذهب بكل الوسائل، فأسف على ذلك قال له بعض الناس ما أخرجك عن وارجلان وقد احسنوا إليك قال حب الأخوان والأصحاب.