الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٧١نشأ أبو صالح أبو بكر بن قاسم اليهراسني في (ازارن) وهي ناحية من البادية، خصبة المراتع، سهلة المرابع، خضراء الوديان، مونقة الربا تعجب أصحاب الماشية. وقضى طفولته، يتمتع بما يتمتع به أصحاب البادية من حرية وانطلاق، مع جمال الطبيعة، فاكتسب بذلك قوة في البدن والإرادة، وانطلاقا ووضوحا في الخلق والطبع، ودربه على الحديث وفصاحة فيه.
أخذ العلم عن الأشياخ الذين كانت تمتلئ بهم تلك الأحياء الضاربة في بطون الصحراء ثم التحق بمدرسة العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن ماطوس فاعترف منها حتى أصبح من الفحول، وأخذ قيما احسب عن أبن زرقون في أواخر أيامه وأصبح علما من الإعلام. يرجع إليه فيما دق وجل من الأمور. وكان مرجعا في جميع مشاكل الحياة سواء كانت تلك المشاكل عملية أو دينية أو اجتماعية وحتى سياسية في بعض الأحيان.
ولقد وثق فيه الناس ثقة كاملة، فولوه من أمورهم ما لا يسند إلا إلى المؤمنين الأكفاء. فكان إليه المرجع في الفتوى ولإقامة الأحكام، وتأديب الجناة، والفصل في المشاكل والاستمرار في إلقاء دروس العلم إلى مختلف الطبقات. فكان يتولى ذلك جميعا بحزم وقوة ودارية، ومع حرصه على إقامة العدل والمساواة بين الناس فإنه كان يرفض الفصل في المشاكل التي يكون أحد أطرافها من صهناجه ولا يتولى تأديب الجناة منهم. ذلك إن هذه القبيلة العاتية كانت قد تولت الحكم في المملكة التونسية في ذلك الحين فترة من الزمن. فاستبدت بالحكم. وسارت به كما شاء لها الهوى لا تتقيد بقانون ولا شريعة.