الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٧٢وإنني حين أقول هذا الكلام تبعا للمؤرخين استغفر الله تعالى في هذا التعميم فإنه لا شك أن أفراد القبيلة لا يتساوون وإن فيهم ولا ريب مؤمنون يحفظون عهد الله ويحرصون على إقامة دينه، ويعصمهم الإيمان عن المشاركة في الإثم، وإنما البغي الذي حال دون إيصال الحقوق إلى أصحابها، والعدوان الذي سلط على الناس دون مبرر والطغيان الذي تقوده شهوة السلطة حتى تبلغ به دعوى الربوبية إنما كان بيد الفئة الحاكمة التي وصلت إلى السيطرة على مقدرات الأمة دون إن يؤهلها لذلك دينها ولا عملها ولا خلقها، وإنما أوصلتها السبل الملتوية التي تجري عليها السياسة الباغية في كل زمان وفي كل مكان، ويبدو مما يقصه المؤرخون أن أبا صالح اليهراسني الذي عاش في فترة الدولة الصنهاجية وحينما تولى الحكم فيها سلاطين ظلمه يعمدون لتوطيد ملكهم بما ملكت أيديهم كان لا يستطيع أن يجري الأحكام على المجرمين من هذه القبيلة. لأن التعصب القبلي والمذهبي في ذلك الحين قد بلغ أقصى ما يمكن أن يبلغه بسبب المسلك الذي سلكه المعز بن باديس الصنهاجي.
والحقيقة أن أبا صالح لم يتولى هذه الأحكام للدولة وإنما أسندها إليه العزابة. ورضى الناس به لثقتهم فيه ورضاهم بحكمة فهو يتولاها منهم رغم إنه لا يملك قوة السلطة ولا تأيد الحكام.
على أن الثورات التي كانت تندلع ألسنتها باستمرار وزحف العرب الهلاليين وإخوانهم بني سليم، وغارات السلب والنهب التي قاموا بها. وما يصيب الأحياء الضاربة في الصحراء من ويلات ومصائب. أقلق أبا صالح فترك البادية وانتقل إلى جربة وسكن بها واستوطنها.
كان أبو صالح عالما واسع المعرفة ومؤمنا خالص الإيمان ومربيا خبيرا بأساليب التربية السليمة، وحاكما قوي الإدارة لا تأخذه في الله لومة لائم فهو أما أن يقيم الحق ويثبت العدل وأما أن يتخلى عن الحمم وأسبابه.