الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٧٧ووردت عليه يوما قضية أخرى فقد كان لنكارى على اباضى دين مقداره دينار واحد فمات الاباضي ولم يخلف شيئا غير شاة واحدة فجاء صاحب الدين إلى ولد المدين الميت وطلب إليه أداء دينه فقال الولد دونك الشاة فبعها وخذ مالك وقال صاحب الدين بل بع شاتك واعطني مالي فارتفعا إلى أبي صالح فقال أبو صالح الاباضي بع شاتك وأعط للرجل ماله. فقال بعض الحاضرين ممن تلب عليه العصبية المذهبية أن أبا صالح أعان النكارى على الاباضي فأجابهم رحمة الله بأن الحكم لا يختلف باختلاف مذاهب المتخاصمين.
وقال أبو محمد ويسلان لو أن العواطف تؤثر على أبي لآثرت عليه في هذه القضية لأنه يستطيع أن يستند إلى قول مشهور في الفقه وهو أن الوارث لا يلزمه شيء من ديون الميت إذا تبرأ من التركة فلو شاء لا ستند على هذا القول واعتمده وحكم للأباضي. قال أبو العباس الدرجيني. إذا لم يخلف المدين إلا معينا فعلى الحاكم أن يجتهد في النداء حتى يبلغ أقصى ثمنه في الوقت ثم يقضي الدين وهو الصواب إنشاء الله لئلا يقوم غيره من أصحاب الديون على الوارث.
كان رجل في جبال دمر يكنس مر بداله بجانب منزله فرمى حجرا وراء جدار فوقع على رجل فمات، ونتجت عن ذلك مشكلة تعددت فيها الأراء والنظرات، وأخيرا رفعوها إلى أبي صالح فحكم فيها بالدية على عشيرة الرامي وسمع بذلك مقدم جبال دمر زيرى بن كملين ففرح بهذا الحكم أيما فرح لأنه كان يأخذ الثلث من الدية على عادتهم وزعم زيرى وقومه أن هذه السيرة أخذوها عن السلف من الأئمة. فغضب عليهم أبو صالح وأنكر عليهم إنكارا شديدا وأفهمهم أن هذه العادة تخالف أحكام الإسلام، وأقنعهم أن هذه السيرة لا يمكن أن تكون من الأئمة لأنها مخالفة لشريعة الله وما كان الأئمة ليعملوا عملا يخالف شريعة الله لم يزل بهم حتى أبطلها فيهم.