الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٧٨وكان أبو صالح يجمع إلى غزارة المادة في العلم والقوة في دين الله، والشدة على العصارة واللين والمحبة في معاملة التلاميذ، عاطفة فياضة وقلبا رحيما بكل ما خلق الله. وهو في هذا شبيه بالعلامة أبي مهاصر موسى بن جعفر. فقد غاب عن أهله لشأن من الشؤون وترك فيهم ناقة مصراه فلما رجع بعد أيام وجد أن أهله لم ينزعوا الصرار عن الناقة، حتى أثر فيها الخيط وتقيح موضعه فغضب غضبا شديدا لهذا الإهمال وجعل ينزع الخيط عن الناقة والقيح يقطر عليه فجاء ولده ويسلان يبعد إكمال الشيخ حتى لا ينزل عليها الصديد، فانتهره الأب وهو يفك الخيط ويجعل على موضع التقييح بعض الأدوية التي تجففه.
وكان كثيرا ما يلجأ إلى التربية العلمية وهو يتولى إيضاح بعض الأحكام لولده ويسلان بدون أن يشعره بذلك.
طلب مرة من ويسلان أن يصحبه في رحلة قصيرة فركب الأب اتانا فارهة وكان الولد المؤدب العالم بسير إلى جانب أبيه فلما كان ببعض الطريق طلب من ويسلان أن يقتطع غصنا من شجرة برية يناوله أياه ليسوق الحمارة ففعل ويسلان فلما ناوله القضيب الجديد رمى بقضيب كان في يده وقال لو يسلان هذا هو المال الذي يسميه العلماء متروكا ويحل أخذه.
وفي سيرهما ذلك وجدا شاة على آخر رمق لا يعرفان لمن هي فقال لولده اذبحها يا ويسلان فتردد الولد وتحرج فنزل الشيخ عن الدابة وذبح الشاه وقال لولده انتم اهل هذا الزمان، لا تصلحون لشيء، ولا تجزون عن احد في كبيرة ولا صغيرة. وهو بذلك يريد أن يعرف ولده متى يجب عليه التحرج ومتى يجب عليه القيام بواجبه من المحافظة على أموال المسلمين أن تضيع.
فقد كان رحمه الله شديد العناية بأحوال الناس كثير الحرص على أموالهم شديد التفهم لمشاكلهم وكان يريد من العالم أن يفهم أسرار الدين الحنيف فيعرف متى يجب عليه العمل ومتى يجب عليه التوقف.