الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨٣إن الموقف المسالم للحكام الظالمين عندما يتغلبون على الأمة هو الموقف الذي وقفه كثير من علماء الأمة، بل لقد ذهب بعضهم إلى أن الرضا بالحكم الظالم أولى من الثورة عليه لما تجره من النكبات. ومع إنني أعلم هذا ولست أجد شيئا انتقده على مسلك أبي زكريا مع الحكام الظالمين، وملاطفته لهم وإكرامه إياهم، ومحاولة عدم الاصطدام معهم، إلا إنني غير مطمئن لهذا الموقف الأخير منه رضى الله عنه. لقد عاشت جربة كما قلت أنفا مستقلة أو شبه مستقلة عن الدولة العبيدية، والصنهاجية في اكثر الحيان وكانت غير خاضعة لها. اللهم إلا في مبالغ من المال تدفعها في بعض الأحيان. فلماذا يهادن أبو زكرياء عوامل الظلم، ويسالم أيدي العدوان، وينفصل بمسلكه عن علما عصره، أمثال أبي عمرو النملي وابن صالح اليهراسني، وأبي موسى الزواغي وأبي محمد كموس، وأبي بكر، وغيرهم، ويرضى أن يرتكب الظالمون الفواحش في جربة، في الحين الذي ينفصل هو بآله من بني يهراسن مثلا فلا يمسهم سوء وهل لنجاة بني يهراسن دون إخوانهم من أهل جربة قيمة، وهل يمكن إن يصدق أبو زكرياء وعد ابن ويمي، فلا يفعل شيئا إلا أن يخرج باله إلى المسجد ليقيهم سطوة المعتدين. ألم يخامره شك في أن طلب ابن ويمي له بانفصاله لا يقصد به تكريم أبي مسور وإنما يقصد به أضعاف صف المقاومة في جربة وتفريق الكلمة.
إنها خواطر كانت تتعاقب في ذهني وأنا أمر بأحداث هذه القصة فأردت إثباتها هنا وهي لا تعني شيئا وأحسب أن القراء الكرام سوف يمرون بها ساخرين. فإن أحداث التاريخ لم تتوقف في يوم من الأيام تنتظر ما تكتبه عنها أقلام الأجيال القادمة.