الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨٤كان أبو زكرياء جبلا من جبال العلم، ومؤمنا شديد الإيمان، وحبا للسلام مخلصا في حبه وكان يتمسك بالواضح في دين الله ويصر على العمل بالعزيمة، ولا يميل إلى الفتوى بالرخصة ويحشد جميع قواة للعلم والتعليم فكان يقول:» منزل التلاميذ كشجر الخروب لا ينبت بجانبه شئ وإن نبت كان ضعيفا. «، ويقصد بذلك أن العناية الكاملة يجب أن تصرف إلى التلاميذ وإلى تعليمهم وتربيهم وإن الاهتمام والاشتغال يجب أن يصرف إليهم.
كان يقول هذا لاهله وأقاربه والقائمين على شئون التعليم، حتى تنصرف إلى الطلاب جميع الجهود وتبذل في سبيلهم كل المساعي.
لقد تأسست كثير من المدارس على نفقة العلماء ورعايتهم في كثير من البلاد ولقد قصر بعضهم جهده على التعليم وبذل فيه كل قوة غير أن أبا زكرياء قد يكون فريدا في مسلكه واهتمامه بقضية التعليم ورعايته لها وحدبه عليها ومع قيامه بالتدريس وبجلب المدرسين المساعدين إلى مدرسته والإنفاق عليهم ماديا حتى يتمكنوا من أداء واجبهم والإنفاق على الأقسام الداخلية بتوفير المسكن والمأكل لجميع الطلاب الذين يأتون من البلاد البعيدة وكانت جربة تغص بهم. مع كل ذلك كان أبو زكرياء يبتكر الوسائل في تحبيب العلم إلى الطلاب لا سيما الصغار والجدد منهم. وكثرا ما كان يعقب التلاميذ على الواحهم ودفاترهم وكتبهم بعد خروجهم فيضع فيها مبالغ من المال رغبة في إخفاء الصدقة من جهة، وتشجيعا ومساعدة للطلاب من جهة أخرى وكان الطلاب حين يجدون ذلك وهم لا يعرفون مصدرها ولا سببها يأتون بها إلى الشيخ أبي زكرياء فيخبرونه بأنهم وجدوا تلك الأموال في أدواتهم الدراسية دون أن يعرفوا من فعل ذلك فيجيبهم أبو زكرياء بأنها أموال ساقها الله إليهم ويحل لهم الانتفاع بها.
فلما توفى أبو زكريا رحمه الله انقطع ذلك المدد المادي عن الطلبة فعلموا أنه من فعل أبي زكرياء.