الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨٦لقد عاش أبو زكرياء للعلم ولتصحيح عقائد الناس وأعمالهم في شئونهم الدينية وعاش على كرمه وإحسانه ومؤاساته ونفقاته عدد غير قليل من الناس وحين توفى ترك للأمة ولديه النجيين زكرياء ويونس قال عنهما أبو العباس الدرجيني: (لكل واحد منهما سجايا جود كالسحاب، وذكاء كالشهاب، وحسن سلوك الطريقة، وحفظ العلول على الحقيقة، والتمسك من عرى التقوى بالأسباب الوثيقة.) فرحم الله الجميع.
أبو عمر النميلي
ولد أبو عمرو النميلي 311 من الهجرة النبوية في جزيرة جربة، فنشأ في عصر متناقض. فبينما كانت الجزيرة تعج بالعلماء الأعلام وكانت البيئة التي يعيش فيها والأسرة التي يتربى بين يديها تسير على سمت الإسلام هديه، مستقيمة كاملة الاستقامة، محافظة على الدين شديدة المحافظة، متمسكة بهدى الإسلام شديدة التمسك، بينما كانت سيرة الناس في جربة هذه السيرة التي جاء بها الإسلام. كانت البيئة الأخرى الحاكمة ظالمة شديدة الظلم، متغطرسة شديدة التغطرس، متجبرة شديدة التجبر، لا تختار لمناصب الدولة إلا أولئك الأفراد الأقوياء في غير دين، القساة في غير لطف، الذين يفعلون ما يطلب إليهم دون رجوع إلى دين أو ضمير. وكان الناس ساخطين على هذا الوضع، ناقمين على هذه السيرة ثائرين على هذه الأحكام.
نشأ أبو عمرو بين هذين التيارين المختلفين فتأثر في دينه وأخلاقه وسلوكه بأسرته ومجتمعيه، فشب مؤمنا قوي الإيمان حريصا على الاستقامة شديدة الحرص، داعيا إلى الاهتداء بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناقما على الظلم والظالمين، ثائرا على من يخالف الإسلام في أحكامه ومبادئه، داعيا إلى الضرب على أيدي الطغاة. وكان لا ينفك عن هذه الدعوة في دروسه وفي أحاديثه أينما سار وأينما كان. وليس هذا شأن أبي عمر وحده، ولكنه شأن جمع من العلماء في جربة وفي غيرها وإن كان الوضع في جربة من الناحية السياسية خيرا منه في بقية البلدان.