الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨٨وهكذا بينما كانت بقية البلاد في الجنوب التونسي تعاني من الفتن المتعاقبة والنزاع المستمر والظلم الذي ينزل عليهم متتابع من الحكام أشد ما تعانيه أمه في عهد حكم فاسد كانت جربة آمنة مطمئنة مستترة تنشر العلم وتكون الجمعيات وتشتغل بتأليف أضخ الدواوين إلى سنة 431 حين جهز المعز بن باديس الصنهاجي جيشا واحتل جربة وارتكب فيها أفظع جريمة يرتكبها قائد حربي. فقد جمع إليه أكبر طبقة من العلماء الأعلام وأمر بقتلهم معتقدا إنه بقتل أولئك العلماء يستطيع أن يضمن طاعة جربة أولا وأن يحول سكانها من المذهب الاباضي إلى المذهب المالكي كما كان يحاول أن يفعل ذلك في بقية المملكة فقد أجهد نفسه وأجهد الناس معه على أن يجمعهم جميعا على المذهب المالكي واشتد في التنكيل بكل من يخالفه.
وكان من العلماء الذين دعاهم إليه أبو عمر النميلي وقد بلغ مائة وعشرين سنة من عمره المبارك قضاها في نشر العلم بين تدريس وتأليف وفي محاربة المنكر في شتى صورة وألوانه.
وأمر المعز بن باديس وهو منتش بالنصر الذي أحرزه على اخوته المسلمين بأبي عمرو فذبح كما تذبح الأغنام ولم يشفع له عند الطاغية ابن باديس لا جلالة العلم ولا قار السن. ولا حتى انتظار الأجل القريب للشيخ الفاني وهكذا كتب لأبي عمرو أن تختتم أعماله المجيدة في سبيل الله بالشهادة بعد أن حمل رسالته قرنا كاملا من الزمان روي ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال:» أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر. «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو الخطاب عبد السلام بن منظور