الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٩٧

كانت جربة أقرب مكان علمي إليه وكانت المدارس منتشرة فيها دائبة الحركة في التربية والتعليم وكانت المساجد في كل ناحية من نواحيها عامرة بالمصلين وبحلق الدروس المتعاقبة وبالوعظ والإرشاد. فاختار أبو محمد عبد الله هذه الجزيرة لتكون محل دراسته وسافر إليها واستقر بها وكان يعمل التلميذ الجاد الراغب القوي العزيمة فكان لا يقتصر على مدرسة ولا يختص بمدرس ولكنه كان يطلب العلم من معادنه جميعا فكان يحضر مجالس أبي صالح، ومجالس أبي موسى. فيلتقط ما ينثره أولئك الاعلام من علم وحكمة ومكث على هذه الحال زمنا حتى ظن أنه أبعد الجهل عن نفسه وبلغ في العلم مبلغا فرجع إلى قبيلته الضاربة في شعاب البادية واستقبله الناس بالترحاب، وفرحوا بمقدمه أيى فرح، فقد أصبح حيهم يأوي عالما وجاء الشيخ اللمائي إلى الحي وسلم على أبي محمد وناقشه في مسائل من العلم وعرف أن أبا محمد لم يبلغ الدرجة التي يؤملها له ولذلك فقد قال له وهو يودعه: أن جميع الإبل تبرك لحمل الأثقال ولكن التفاضل بينهما إنما يكون بإيصال الأحمال إلى الغاية .. وذهب الشيخ وبقي أبو محمد يفكر في الموضوع إنه قضى وقتا صالحا في الدراسة وتحصل على مبلغ من العلم ولكن هل يكفيه هذا المبلغ إنه لا يزال في حاجة إلى المزيد وقرر أ، يعود إلى الجزيرة العامرة بالعلم والصلاح وعاد واستمر في دراسته زمنا حسبه كافيا لإدراك الغاية فرجع أيضا إلى حيه ذلك الحي الذي يقتعد رأس شعبة خصبة تسرح فيها الأنعام. وفرح القوم به كما فرحوا أول مرة واجتمعوا لتحيته ولسماع الحكمة منه وحضر الشيخ فيمن حضر من الناس واستمع إلى درس أبي محمد ثم ناقشه في أصول وفروع من العلم فلم يطمئن له ولذاكرته ولذلك قال له وهو يودعه أن جميع الغدران تمسك الماء ولكن التفاضل في طول البقاء.

٩٧ / ٣٥٥