الإباضية في ميدان الحق لناصر المسقري
الجزء ١ · صفحة ٧٧? ولنترك ما يقوله علماء المذاهب الثلاثة الحنفية والشافعية والمالكية ولنأت إلى ما يقوله أحد علماء الحنابلة ، مع أن هؤلاء الحشوية يلتصقون بالمذهب الحنبلي ، فهذا العلامة الكبير أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي يقول في مقدمة كتابه " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه " : " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبدالله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني ، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ورأيتهم نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته ، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات وعينين ولهوات ، وأضراسا وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين وأصابع وكفا ، وخنصرا وإبهاما ، وصدرا وفخذا ، وساقين ورجلين ، وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا : يجوز أن يمس ، ويدني العبد من ذاته ، وقال بعضهم : ويتنفس ، ثم يرضون العوام بقولهم : لا كما يعقل ، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة ، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من صفات الحدوث ، ولم يقتنعوا بأن يقولوا صفة فعل ، حتى قالوا صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل يد على نعمة وقدرة ، ومجيء وإتيان على بر ولطف ، وساق على شدة بل قالوا : نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن ، ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون : نحن أصحاب السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام .