الإباضية مذهب إسلامي معتدل لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٧هذه الصورة هي الصورة التقريبية التي نشأت عنها جميع المذاهب، وأن اختلفت أزمنة الأئمة فمنهم من كان من الرعيل الأول من التابعين، ومنهم من كان من تابعي التابعين، ومنهم من كان في الدرجة الثالثة، ومنهم من كان أبعد من ذلك بكثير كابن تيميه وكمحمد بن عبد الوهاب.
وبالنسبة إلى الإباضية فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب الأذكياء، منهم من يأخذ عنه وعن غيره، كقتاده، وأيوب، وابن دينار، وحيان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه، كأبي عبيدة مسلم، وضمام، وأبي نوح الدهان، والربيع بن حبيب، وعبد الله بن إباض ومن هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشؤون العامة ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحاتها مع حكام الدولة الأموية في ميدان الكلمة دون استعمال السيف كعبد الله ابن إباض ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمامة كأبي عبيدة وأبي نوح صالح الدهان، وقام بنفس الدور وتخصص فيه ولما كانت هذه الحركة في عنفوان بناء الدولة الأموية وكانت سيوفها مسلطة على جميع الأئمة والعلماء خوفا منهم أن يجهروا بالإنكار عليها، أو يدعوا الناس إلى الخروج عنها وكان جابر في مجالسه كزملائه الحسن وسعيد وغيرهم من كبار التابعين غير راضين عن الوضع وكثيرا ما يتناولونه بالنقد. فكانت السلطات بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدة، وتضيق عليهم الخناق، وتحاول بكل وسيلة أن لا تسمح لنقدهم أن يتسرب إلى الناس وقد احتاطت لذلك من بداية الأمر فنسبتهم إلى التطرف واعتبرتهم ضمن الخوارج. وكانت تهمة الخارجية-تشبه ما يسمى اليوم بالعمالة أو بالخيانة-عملية ليس لها ضوابط توجه بسهولة إلى كل من يراد التخلص منه أو الانتقام منه أو إيقاف نشاطه وتستغل عند اللزوم.