هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١١٦هداية الحكام إلى منهج الأحكام
وجهتك إلى بلاد قد خرجت إليها دول من قبلك من عدل وجور، فإن الناس لينظرون من أمورك كما كنت تنظر من أمورهم، وليكن أحب الأشياء إليك العمل الصالح، واملك هواك بسخاء نفسك، فإن سخاء النفس الإنصاف منها، وأشعر قلبك الرحمة واللطف والإحسان للرعيّة، وأعطهم من عفوك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه، ولا تندمن على عفو ولا تبتهجن بعقوبة ولا تسر عنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة فإن ذلك منهكة في الدين، وانظر إلى عظيم ملك الله وقدرته منك على ما لا تقدر إليه من نفسك، وإياك ومساواة الله
في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يهين كل جبار ويذل كل مختال.
وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها في الرعية، فإن سخط العامة يجحفُ برضى الخاصة، وليس أحد من الرعية أثقل مؤونة على الوالي في الرجا، وأقلهم معونة في البلى، وأكره للإنصاف، وأسأل للإلحاف من الخاصة، وإنما عماد الدين وإجماع المسلمين والعدة على الأعداء العامة من الرعية، وليكن أبعد من رعيّتك إليك أطلبهم لمعائبهم، فلا تكشف من غاب عنك فإن الله يحكم عليها، وأكثر مدارسة العلماء، ومنافسة الحكماء فإن ذلك يحق الحق ويبطل الباطل.
وانظر في أمور عمالك واستعملهم اختيارا ولا تولّهم محاباة ولا أثرة، وأوسع الرزق عليهم فإن في ذلك قوة على اصطلاح أنفسهم وغنى عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خانوا أمانتك وخالفوا أمرك، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج منها، واجعل لذوي الحاجة قسما تفرغ لهم فيه شخصك وذهنك، وأجلسهم مجلسا وتواضع لله فيه، واخفض لهم جناحك، وألن جانبك حتى يكلمك مكلمهم غير متعتع، فإني سمعت رسول
110