هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١١٩هداية الحكام إلى منهج الأحكام
تميم، ثم بني عدي»، ثم قال: «ضعوا عمر حيث وضعه الله»، فجاء بنو عدي إليه فقالوا: «لو جعلت نفسك حيث جعلها القوم»، فقال: «بخ بخ بني عدي لا والله حتى تأتيكم الدعوة ولو أظنوا عليكم الدفاتر، وأن تكتبوا في آخر الكتابين أن لي صاحبين سلكا طريقًا فإن خالفتهما خولف بي، والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بلا عمل فهم أولى بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا ينظر رجل إلي وليعمل لما عند الله فإن من قصر به عمله لم يُسرع به نسبه»، فلما دوّن عمر بن الخطاب الدواوين قال أبو سفيان بن حرب: «هلكت العرب»، فبلغ عمر فقال: «ما كلام بلغني عنك أنك قلته؟»، قال: «نعم، كأنك الآن تعطيهم العطايا
ذلك
ما دمت حيا ثم يجئ من بعدك فيقطع عنهم، وقد تركوا تجارتهم واتكلوا عليه فاحتاجوا لما في يد غيرهم، فقال عمر بن الخطاب: «صدقت لقد علمت بما تهلك العرب، إذ ساسهم من يدرك الجاهلية، ولم يكن له قدم في الإسلام، والذي نفسي بيده لَئِنْ عشتُ إلى هذه الليلة القابلة لياتين الرجل من أقصى اليمن من هذا المال ودموعه في وجهه فيعرفنّ ذلك»، والله أعلم.
ويُروى أنه جاء إليه رجل من المدائن يشكوه من عامل له قد ظلمه، فقال له: «ما منعك من سعد»، فقال له: يا أمير المؤمنين، أقسمت بالله لأشكونه معك، وإني لا أتظلّم منه إلا إليك»، فقطع طرفا من جلدة، فكتب فيها وختم الكتاب ثم دفعه إليه، وقال: «اذهب إلى سعد»، فقال الرجل: «فجئتُ إلى الكوفة وأنا أحتسب سفري ضياعا مما رأيتُ»، حتى أتيتُ سعدا فإذا الناس أفواجا عليه، فأعطيته كتاب أمير المؤمنين، فلمّا قرأه تغيّر وجهه، واصفر لونه ثم قال: «ويحك أما اتقيت الله، تظلّمت مني ولم أظلمك»، ثم قال: «أين حقك ومظلمتك؟»، قلتُ: «بالمدائن»، قال: «انطلق بنا»، فلما بَعد عن داره قال: «أيها الناس انطلقوا راشدين فإن أمير المؤمنين عزم علي في كتابه ألا أجلس مستريحا حتى أوافي عامله وأعاقبه إن كان قد تعدّى»، ثم قال: «فإذا فرغت
113