هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١٢٨هداية الحكام إلى منهج الأحكام
ضُرا، فيقوى بها ضعف المدعي وجانب المدعى عليه قوي لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفي منه باليمين وهي حجة ضعيفة، لأن الحالف يجلب لنفسه نفعا ويدفع عنها ضرا فكان في ذلك غاية الحكمة.
W
واختلف أهل العلم في تعريف المدعي والمدعى عليه، فقيل المدعي من إذا سكت سكت عنه، وقيل المدعي هو الطالب، والمدعى عليه هو المطلوب، وقيل المدعي من يدعي خلاف الظاهر، والمدعى عليه من الظاهر معه، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لمدّع: «شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك» (1)، وقال: «بين كل حالفين قرعة يمين» (4) فيكون المراد أن اليمين إذا توجهت إليهما فتنازعا فيمن يحلف أوّلا مثل أن يدعي اثنان شيئا ولا يد ولا بينة فمن وقعت قرعته حلف وأخذه.
ومن طريق أبي رافع عن أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة، فقال صلى الله عليه وسلّم: «استهما على اليمين ما كانا أحبا ذلك أو كَرِهَا» (3)، وقد ورد القرآن الكريم بالقرعة، وناهيك بقصة ذي النون وهو نبي الله يونس عليه السلام كما قال الله تعالى حاكيا عنه: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ) ()، وذلك أن نبي الله يونس عليه السلام حين غاضب قومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به ابق أي هرب فركب الفلك المشحون أي السفينة المملؤة فرست السفينة ولم تجر في البحر كما كانت تجري من قبل أن يركب، فقال الملاحون هنا عبد أبق
-1 صحيح البخاري، رقم الحديث 2380، ج 2، ص 889، صحيح مسلم، رقم الحديث 137، ج 1، ص 123، سنن البيهقي الكبرى، رقم الحديث 20993، ج 10، ص 253.
2 - مسند الربيع، رقم الحديث 593، ج 1، ص 234، نص الحديث: (بين كل حالفين يمين). سنن أبي داود، رقم الحديث 3616، ج 3، ص 311، سنن البيهقي الكبرى، رقم الحديث 11147، ج 6،
ص 67.
4 - سورة الصافات، رقم الآيات: 139 - 141.
122