هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١٤٢هداية الحكام إلى منهج الأحكام
واستثنى بعض أهل الفقه أنواعا من عدم الخلطة فلا تنزع فيها اليمين مثل التاجر مع التاجر والصانع مع الصانع والرفقاء في السفر والضيف إذا ادّعى على من أضافه أو ادعى عليه، ومن ادعى وديعة أو عارية، والذي يوصى به المريض أن لي عليه كذا، فلا تنزع عن هؤلاء اليمين من بعدما وجبت عليهم اليمين بلا إثبات خلطة بينهم، واشتراط الخلطة لليمين أو الظنة هو مذهب أهل المدينة، وتلك مصلحة خصوا بها الحديث: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولولا ذلك لادّعى أهلُ السَّفه على أهل الفضل، وروى بعض أهل الفقه (1) (البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة» وتلك زيادة مدرجة في الحديث، وذهب جمهور الأمة على أنه لا تشترط الخلطة، قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور (2) والله تعالى أعلم.
وإذا ادّعى رجلٌ على آخر أنه أَكْرَاه (3) داره بعشرة دراهم فقال له الآخر: أكريتك موضعا منها معلوما بخمسة دراهم فكلاهما مدعيان في ذلك، فإن أقام كل واحد منهما بينة فيما يدعيه جعلت الدار إجارة بخمسة عشر درهما وليأخذ رب الدار أفضل الأجرة، وليأخذ الآخر ببينته أفضل السكن وإن عجزاها تحالفا وانتقضت الأجرة، وإن أقام أحدهما البيّنة وعجز الآخر كان الحق للذي أقامها، وليس للآخر شيء وكذا إن ادعى أنه استكراها منه كل شهر بدرهم، وقال ربُّ الدار: أكريته خمسة عشر يوما بدرهمين كانا مدعيين، فمن أقام البينة على دعواه فله حقه ومن عجز عنها لزمته دعوى صاحبه وإن عجزاها تحالفا وانتقضت الأجرة.
1 - فيخ (ب): (العلم). - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، الزرقاني، ط 1، بيروت: دار الفكر، 1996/ 1416، 4 أجزاء، ج 4، ص 44. فتح الباري، العسقلاني، بيروت: دار المعرفة، 14 جزء، 13/ 144. أَكْرَاهِ: أَجره. ينظر: لسان العرب، مادة (ك رى). وللاستزادة ينظر كشاف المصطلحات.
136