هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١٥٧هداية الحكام إلى منهج الأحكام
باب نوعان من الفقه
نوعان من الفقه لا بد للحاكم من العمل بها: فقه في أحكام الحوادث الكلية والجزئية، وفقه في نفس الواقع وفي أحوال الناس، وأن يميز بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل، ثم يطابق بينهما ثم يعطي الواجب حكمه من الواقع ولا يجعله مخالفا له، فكل من له ذوق في الشريعة وباع في الخوض فيها، واطلاع منه على كمالها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأنها العدل الذي وسع الخلائق وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته، فمن أحاط علما بمقاصدها وحسن فهمه لذلك لم يحتج إلى سياسة غير سياستها وأن سياسة الشريعة هي السياسة العادلة عَلِمَهَا مِن عَلِمَها وجَهِلهَا مِن جَهِلَهَا.
فانظر إلى حكم نبي الله سليمان بن داود في الولد الذي ادعته المرأتان وكان حكم أبيه فيه أنه للكبرى منهما وذلك باجتهاد صحيح منه فلما أخبرتا ابنه سليمان بن داود قال: «إن الحكم فيه أن تأتوني بالمنشار فأشقه نصفين لأقسمه بينهما»، فلمّا همَّ أن يشقه قالت الصغرى: «لا تشقه يا نبي الله إنه ابن الكبرى وإني قد سمحت منه»، فحَكَمَ به للصغرى لما رأى من رحمتها له وشفقتها به فجعل الرحمة قرينة تدل على أنه ولدها ولم يلتفت إلى إقرارها بأنه ولد الأخرى، هذا هو الحق لأن الإقرار إذا كان لعلة وصع ذلك عند الحاكم لم يلتفت إليه.
ولذلك ألغى العلماء إقرار المريض بمال الوارث في مرض الموت، ومن هذا الباب قد توصل الحاكم بقد قميص نبي الله يوسف عليه السلام إلى معرفة الصادق من الكاذب، فانظر قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ من دُبُرِ وَالْفَيَا سَيْدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَن يُسْجَنَ
151