هداية الحكام إلى منهج الأحكام حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

هداية الحكام إلى منهج الأحكام

الجزء ١ · صفحة ١٧

هداية الحكام إلى منهج الأحكام

خاصة عابرة تجول في دواخلهم لبضع لحظات، وسرعان ما يخبؤها القلب داخله مرة أخرى.

ولا أظن أن لحظة من الدهشة ستعادل ما أحسست به حين أقبل أحد أحفاد الشيخ الحسيني محتضنا صُرَّةً من قماش يحتفظ بها بشيء من إرث جدهم المتمثل في عدد من الكتب والمخطوطات التي مرَّ عليها غير قليل من الزمن، فجعلوني أطَّلع عليها وأقلبها وأتصفحها، فاعتراني لحظتها مقدار عميق من الدهشة والسرور لا يزال يرافقني حتى لكأنني أشتم رائحة تلك المخطوطات والكتب حتى هذه اللحظة، وأستشعر ملمسها بين أصابعي.

لقد علمني هذا السفر أن أتأنى وأصبر، وأن أكون حاضرة مستعدة لاجتياز المسافات في سبيل الحصول على معلومة مدفونة بين طيات كتاب، أو في صدر أحد الأجداد، وهنا أستحضر رحلتي لمكتبة العلامة الجليل نور الدين السالمي بولاية بدية بالمنطقة الشرقية، وكيف استقبلني أهل الدار بحفاوة وترحاب، وفتحوا لي أبواب المكتبة التي حلمت دوما برؤيتها وزيارتها.

ألم أقل أنَّ التحقيق سفر؟، هو كذلك .. ليس فقط لأنك تنتقل من مكان لآخر، بل هو سفر بين جنبات الكتب سعيا وراء معلومة قد تلبث أشهرا وأنت تبحث عنها، وتفتش عن مكمنها، هو سفر لشعورك بأنك تعايش اللحظات القيمة التي خط بها المؤلف سطور هذه المخطوطة التي أمامك، حتى لتخال بأنك من يمسك بالمحبرة ليخط للمؤلف كلمة أو عبارة استحضرها في ذهنه.

هو سفر حين تقارن بين مخطوطة، وآخرى، فتستدعي لحظات الصبر كي تحط بطمأنينتها عليك وأنت تفترش أربع أو خمس نسخ من المخطوط أمامك، فتباغتك كلمة مختلفة عن الأخريات في إحدى النسخ، فتهرع لتهجي حروفها ومقارنتها بشبيهاتها من المفردات، وتحري معناها وتوثيقها، فلا يهدأ لك بال

11