هداية الحكام إلى منهج الأحكام حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

هداية الحكام إلى منهج الأحكام

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

هداية الحكام إلى منهج الأحكام

القرآن، ورأوا أنّ جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف، ففعلوا ذلك ومنعوا الناس عن القراءة بغيره، ونظير ذلك كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتت ويُطمع فيهم العدو، فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد، وترك بقية الطرق

جاز ذلك.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة، وكذلك لنا في أصحابه من السلف الصالح الله عنهم اهتداء واقتداء، لقوله تعالى: (أُولَئكَ الَّذِينَ هَدَى الله رضي فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهُ) (1)، فمن ذلك ترى الرجل يدخل بالمرأة التي أهديت إليه ليلة الزفاف ولا يسأل النساء اللاتي زففنها أنها هي امرأته اعتمادا على القرينة الظاهرة، فنزلوا هذه القرينة القوية منزلة الشهادة، وكذلك ترى الناس سَلفا وخَلَفا لم يزالوا معتمدين على قول الصبيان الذين ترسل معهم الهدايا وأنها مبعوثة إليهم فيأكلون الطعام ويلبسون الثياب، وكذا الضيف النازل يشرب من إناء صاحب البيت ويتكى على سُرُره ويقضي حاجته من بيته من غير استئذان باللفظ، ولا يُعدّ ذلك متصرّفا في ملكه بغير إذنه اعتمادا على القرينة العرفية وكذا أخذ ما يسقط من أيدي الناس مما لا يتبعونه كالفلس والسوط والعصا والتمرة وما أشبه ذلك، وكأخذ ما يبقى من الحب في التبن والجنور والحائط والثمار بعد تخلية أهله له، وأخذ كل ما يسقط من ثمر وتمر وحب عند الحصاد، وما ينبذه الناس، في الخزف والأوعية، ومنه التطرق لقضاء الحاجة في المزارع والأموال والشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات اعتمادا على قرينة الحال، ولذلك قالوا لا يتوضأ منها فإن العرف لا يقتضيه، ومنه قضاء الأجرة للغسّال والخبّاز والطبّاخ والدقاق والحجام والحالق وإن لم تنعقد إجارة في

الحكم اكتفاء بشاهد الحال، والله تعالى أعلم.

1 - سورة الأنعام، رقم الآية 90.

178