هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١٩٣هداية الحكام إلى منهج الأحكام
فجاءوا إلى بني النظير وقريضة فقالوا: «إنّ فلانا وفلانة زنيا وهما من أشرف اليهود، وإنّا نحب أن تسألوا هذا الرجل وهو جاركم، وتعرفوا حكمه في ذلك»، فانطلق كعب بن الأشرف وكعب بن سعد وسعيد بن عمر فقالوا: «يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا»، فقال: «أترضون بقضائي؟»، قالوا: «نعم»، فنزل جبريل بآية الرجم فأخبرهم فلم يقبلوا، فقال لهم: «هل تعلمون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدكا (1) يقال له ابن صوريا؟»، فقالوا: «نعم»، فقال: «أي رجل فيكم؟»، قالوا: «أعلم» يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى عليه السلام»، قال: «ارسلوا إليه»، فلمّا حضر قال له صلى الله عليه وسلّم: «أنت ابن صوريا؟»، قال: «نعم»، قال: «أنت أعلم اليهود؟»، قال: «كذلك يقولون»، قال: «ناشدتك الله الذي لا إله غيره الذي أنزل التوراة على موسى وأخرجكم من مصر، وفَرَقَ البحر وأنجاكم، وأغرق فرعون ومن معه، وبالذي أنزل المن والسلوى وظلّل عليكم الغمام، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون فيه آية الرجم؟»، قال ابن صوريا: «اللهم نعم، والذي ذكرتني به ولولا أني خشيت أن ينزل علينا العذاب إن كذبتُ أو غيرتُ ما اعترفتُ لك بذلك، لكن كيف هي عندك يا محمد؟»، قال: «إذا شهد أربعة رهط عدول أنه أدخله فيها كما يدخل المرود في المكحلة وجب عليه الرجم»، قال ابن صوريا: «صدقت هكذا في التوراة»، فقال له صلّى الله عليه وسلّم: «يا ابن صوريا ما أوّل ما ترخصتم فيه من أمر الله؟» فقال: «كان إذا زنى منا الشريف تركناه وإن زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، حتى زنى ابن عم الملك بامرأة وفشا الزنا في أشراف اليهود، ثم زنى رجل بامرأة فأراد الملك أن يقيم عليه الحد فقام قومه دونه، فقالوا: والله لن ترجمه حتى ترجم ابن عمك فلانا. فقلنا: تعالوا نجتمع
1 - فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع صلحا، ينظر: معجم البلدان ج 4/ ص 238. ج 4/ص 238.
187