هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ١٩٨هداية الحكام إلى منهج الأحكام
لله
قام إليه الرهط، فقالوا: «نعم قضى فيه بكذا»، فيأخذ بذلك ويقول: «الحمد الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا صلى الله عليه وسلّم»، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر أخذ به، وكذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أعياه ذلك نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء، فإن وجده قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (1).
ويُروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان ببعض الطريق جاءه خبر الطاعون، فقال لابن عباس: «ادع المهاجرين»، ففعل فاستشارهم وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه فقال بعضهم: «قد خرجت لأمر لا نرى أن ترجع عنه»، وقال الآخرون: لا نرى أن تقدم بأصحابك إلى هذا الوباء»، ثم قال: «ارتفعوا عني»، فقال لابن عباس: «ادع لي الأنصار»، ففعل فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، فقال: «ارتفعوا عني»، ثم قال: «ادع لي ممن كان هنا من مهاجرة الفتح من المهاجرين»، ففعل فلم يختلفوا عليه، بل قالوا إنا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدم إلى هذا الوباء»، فنادى: «إني مصبّح على ظهر»، أي على ظهر الراحلة، فأصبحوا عليه فقال له أبو عبيدة بن الجراح: «أفرارا من قدر الله»، وقيل قال له: «أفرارا من الموت يا أمير المؤمنين؟»، فقال: «يا أبا عبيدة لو غيرك قالها»، وكان يكره خلافه، ثمّ قال: «نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل وهبطت واديا له عدوتان أحدهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله»، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضرا، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع
-
1 سنن البيهقي الكبرى، رقم 20128، ج 10، ص 114. سنن الدرامي، رقم 161، ج 1، ص 69.
192