هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣هداية الحكام إلى منهج الأحكام
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: حدثني رجل من غفار قال: «أقبلت أنا وابن عم لي يوم بدر حتى صعدنا جبلا تنظر الوقعة فتنهب فيمن ينهب، فبينما نحن في الجبل إذ دنت سحابة من السماء، فسمعنا فيها جمجمة الخيل وقائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه حتى مات مكانه، وأما أنا فكدت أن أهلك».
ويروى أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما صف أصحابه للقتال جاءه جبريل عليه السلام، فقال له: «ارم المشركين بقبضة من تراب»، فأخذ قبضة من التراب، وقال: «شاهت الوجوه» (1)، أي قبحت فما بقي أحد من المشركين إلاّ أصاب ذلك التراب عينيه ومنخريه ثم ولّوا مدبرين، قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد: «أخذ ثلاث حصيات فرمى بكل واحدة في جهة من القوم، فانهزموا»، فنزل قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى) (2)، أي إن إبلاغ الرمي وتفريقه فعلان مخلوقان لله تعالى، ليس ذلك من قدرتك ولا تبلغ مبلغه إنما أنت طرحته وحركت يدك به، قال ابن هشام بالفعل عن وقوعه ومشارفته وإرادته وعن القدرة عليه، وذلك هو الحق عندنا، والله أعلم.
ويروى أن إبليس لعنه الله جاء يوم بدر في جند من الشياطين معه راية، في صورة سراقة بن مالك فنادى: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم أي مناصر ومصاحب»، ثم أمسك على يد الحارث بن هشام، فلما نزلت الملائكة أقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس لعنه الله، فانتزع يده من يد الحارث بن هشام فعرف إن ذلك جبريل وأن الملائكة قد نزلت فولى مدبرا (3)، وهو يقول:
-1
صحيح مسلم، رقم الحديث 1777، ج 3، ص 1402. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم الحديث 2762، ج 1، ص 303. تفسير الطبري، ج 9، ص 205 0 تفسير ابن كثير، ج 2، ص 296. 2 - سورة الأنفال، رقم الآية 17.
- تفسير الطبري، ج 10، ص 18. الدر المنثور، ج 4، ص 27. تفسير ابن كثير، ج 2، ص 118.
217