هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩هداية الحكام إلى منهج الأحكام
عمل بذلك عمر بن الخطاب رحمه الله في بعض القرى، وكتب إلى عاملة على الكوفة عثمان بن حنيف بأن يأخذ في كل سنة على الغني أربعة دنانير، وعلى المتوسط دينارين، وعلى الفقير دينارا، وذلك دليل على أن الجزية ليست بشيء محدود إنما هي على نظر الإمام القائم بمصالح الإسلام.
ويؤخذ من نصارى العرب ضعف ما يؤخذ من الزكاة المشروعة على المسلمين، فمن له مائتا درهم أعطى عشرة دراهم، ومن له مائة درهم أعطى خمسة دراهم وإن لم يبلغ في ذلك النصاب، وكذا في الذهب والورق وفي جميع المعاملات والمواشي، وتجب عليهم من حين قهرهم الإمام، وكذا فعل خالد بن
الوليد بنصارى تغلب من أهل الشام، والله أعلم.
ويُروى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صَالَحَ المشركين عام الحديبية على يد سهيل بن عمرو العامري على أن من جاء منهم مهاجرًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ردّه إليهم، ومن ذهب إليهم لم يردوه إليه، وكره كثير من المسلمين ذلك، لكن أمسكوا عن الكلام حياء وهيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولما قفل راجعا لحقته سُبَيعة بنت الحارث الهلالية فنادته إني جئت مؤمنة بالله، ومصدّقة بما جئت به، فلحقها الطلب من المشركين وزوجها معهم، وهو عبد الله بن النباش وقيل مسافرُ المخزومي، فقالوا: «يا محمد لم يجف طيّ كتابك حتى غدرت»، فهم أن يردّها فنزل جبريل عليه السلام وقال اقرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتِ فَامْتَحِنُوهُنَّ) (1)، أي اختبروهن بالحلف على صدق الإيمان، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنّما كان الشرط في الرجال دون النساء» (2)، وكذا هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها ولم يردها إليهم.
1 - سورة الممتحنة، رقم الآية.
فتح الباري، ج 9، ص 419.
1.
233