هداية الحكام إلى منهج الأحكام
الجزء ١ · صفحة ٣٨هداية الحكام إلى منهج الأحكام
أشخاص، ومشينا حتى وصلنا تلك المحلة، وبالتحديد عند حفرة الفلج الذي يخدم، فوجدنا حبلاً ممدوداً من أعلى الفلج حتى أسفل الحفرة، فأعطانا أبو عبيد عصاه وأوشك أن ينزل إلى الحفرة، فتحايلنا عليه كي ينزل أحد منا بدلاً عنه مراعاة له حيث إنه أعمى واستصعبنا ذلك عليه، لكنه رفض وأبى إلا أن ينزل بنفسه، وفعلا نزل إلى تلك الحفرة الضيقة متمسكًا بالحبل، وأخذ يتبعه مصغيا لطرق مطرقة داخل حفرة الفلج، إلى أن وصل إلى مصدر الصوت فإذا برجل هناك يخدم الفلج فأمسك به وصعدا إلى الأعلى، فأصابتنا الدهشة حيث كُنَّا في غاية الخوف والقلق على الشيخ، لكنَّ المؤمن يدرك أنَّ قوة بصيرته التي أنارت طريقه ولم يكن محتاجًا لنور بصره، ثم عدنا أدراجنا ومعنا الرجل الذي أمسك به أبو عبيد.
هي
وفي الصباح بعثَ إلى وكلاء الفلج بأن يحضروا إلى الحصن، فجاءوا جميعهم، وسألهم: «هل منكم من أمر بأن يُحفر الفلج وتعاد خدمته؟» فأجابوا بأنهم لم يفعلوا، فحاول أن يجعلهم يقرون بذلك دون فائدة، فبعث إلى الرجل الذي أمسك به، وقال له: أخبرني يا فلان، هل ذهبت من نفسك لخدمة الفلج؟» فقال الرجل: «لا .. وإنما أمرني بذلك فلان وفلان وفلان هؤلاء الجالسون أمامك يا شيخنا، فاندهش الوكلاء كيف أمسك بذلك الرجل وقد أمروه ألا يحفر إلا في وقت متأخر من الليل، فحكم في هذه القضية بما ينفع
مصلحة المسلمين».
وكان أبو عبيد راجح العقل ذا رأي ومشورة يرجع إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم، ويستعين به القضاة في رد المشورة إليه، بل حتَّى الإمام كان لا يَحْسِم في بعض القضايا التي تُعرض عليه إلا بعد الرجوع إلى أبي عبيد. يقول الوالد علي بن خلفان من وادي قري التابعة لسمائل في حكاية قصَّها للشيخ سلام ابن
32